أسراب قنديل البحر هل رصدت واشنطن سلاح طهران جديد سماء إيران | الشرق للأخبار

أسراب "قنديل البحر".. هل رصدت واشنطن "سلاح طهران الجديد" في سماء إيران؟

time reading iconدقائق القراءة - 14
مجموعة من الطائرات المسيرات في السماء، صورة تعبيرية - getty
مجموعة من الطائرات المسيرات في السماء، صورة تعبيرية - getty

قد لا تبدأ التحولات الكبرى في نظم الحرب الحديثة، بإعلان رسمي أو استعراض عسكري، أحياناً تبدأ من مشهد خاطف يراه طيار في سماء معادية، ثم يتحول لاحقاً إلى سؤال استراتيجي يشغل أجهزة الاستخبارات ومراكز الدراسات العسكرية.

هذا تحديداً ما حدث بعد الإفادات التي أدلى بها طيار أميركي عقب إسقاط طائرته من طراز F-15 في إيران، حين تحدث عن مشهد لم يستطع تفسيره بشكل قاطع، إذ وصف مجموعة من المسيّرات الإيرانية تتحرك في تشكيل غير مألوف يشبه "قنديل البحر"، تتقدم فيه أجسام أكبر بينما تبدو عناصر أصغر وكأنها تتدلى منها أو تتحرك ضمن ارتباط بصري مباشر معها.

وبحسب ما نقلته شبكة CNN، فإن وصف الطيار أثار اهتماماً داخل الدوائر الاستخباراتية الأميركية، ليس لأن المشهد يؤكد امتلاك إيران تقنية جديدة، بل لأنه قد يكون مؤشراً على شيء أكبر بكثير من مجرد تطوير طراز جديد من الطائرات غير المأهولة.

ورغم حالة "عدم اليقين" في استخلاص المعلومات من شهادة الطيار، إلا أن المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون) حذروا من التسرع في الاستنتاج، خاصة بسبب الظروف القتالية التي عاشها الطيار خلال المشاهدة، إلا أن ما وصفه - إن كان دقيقاً - فربما يفتح الباب أمام تغيير كبير في ما هو معروف عن قدرات المسيرات الإيرانية وصناعتها الدفاعية. 

من المسيرة القاتلة إلى "الهجوم الجماعي" 

على مدى العقدين الماضيين، اعتاد العالم النظر إلى المسيّرات باعتبارها بديلاً منخفض الكلفة للطائرات المأهولة، لكن التطور الحقيقي الذي يشغل الجيوش الكبرى اليوم لا يتعلق بالمسيّرة نفسها بقدر ما يتعلق بعلاقتها بالمسيّرات الأخرى.

في العقائد العسكرية الحديثة لم يعد السؤال: ماذا تستطيع المسيّرة أن تفعل وحدها؟ بل: ماذا تستطيع عشرات أو مئات المسيّرات أن تفعل عندما تهاجم ضمن شبكة واحدة؟

هنا يظهر مفهوم "حرب الأسراب" أو Swarm Warfare، وهو أحد أكثر المجالات التي تستثمر فيها القوى العسكرية الكبرى حالياً، وفي هذا النموذج لا تتحرك المسيّرات كمنصات منفصلة، بل كمنظومة جماعية تتبادل المعلومات والمهام بشكل مستمر، وتتكيف مع الظروف الميدانية كما لو أنها كائن واحد يمتلك عشرات العيون وعشرات الأذرع.

هذا المفهوم لم يعد مجرد نظرية أكاديمية، فوكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأميركية DARPA كرّست سنوات من العمل لتطوير برامج تسمح لأسراب ضخمة من الأنظمة غير المأهولة بالعمل ضمن شبكة عملياتية واحدة، قادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم والحرب الإلكترونية بصورة متزامنة.

في هذا النوع من الحروب، لا تُقاس القوة بعدد المنصات فقط، بل بقدرتها على التعاون والتكيف والبقاء في القتال حتى بعد خسارة جزء من عناصرها، وهنا تحديداً يبدأ الربط بين ما وصفه الطيار الأميركي وبين ما تدرسه الجيوش الكبرى منذ سنوات.

لماذا بدا المشهد كأنه "قنديل بحر"؟

في الأدبيات العسكرية الخاصة بالحرب الشبكية، هناك نموذج يطلق عليه بعض الباحثين اسم هجوم سرب "المسيّرة الأم"، وهي منصة مسيرة أكبر حجماً تعمل كعقدة قيادة أو مركز اتصال جوي، بينما تتحرك حولها أو أسفلها مسيّرات أصغر تنفذ مهام متخصصة تشمل الاستطلاع أو التشويش أو الهجوم.

في مثل هذا التشكيل، قد يبدو السرب من بعيد وكأنه جسم رئيسي تتفرع منه عناصر أصغر، وهو وصف يقترب بصورة لافتة من الصورة التي نقلها الطيار الأميركي.

الخبير الأميركي في أنظمة المسيّرات سام بنديت أشار في تصريحات نقلتها صحيفة "نيويورك بوست"، إلى أن أحد التفسيرات الممكنة لما شاهده الطيار يتمثل في وجود منصة رئيسية تتحكم أو تتواصل مع عناصر أصغر ضمن تشكيل واحد، مع التشديد في الوقت ذاته على أن هذا يبقى تفسيراً نظرياً لا يمكن اعتباره دليلاً على امتلاك إيران مثل هذه القدرة.

لكن مجرد ظهور هذا الاحتمال يكفي لإثارة اهتمام المخططين العسكريين، لأن الفارق بين المسيّرات المنفردة والأسراب التعاونية ليس فارقاً تقنياً فحسب، بل فارق في طبيعة الحرب نفسها.

السرب ليس عدداً لكن "عقل جماعي"

كثيراً ما يجري الخلط بين الهجمات الجماعية والأسراب الذكية، ففي أوكرانيا، وفي الشرق الأوسط، شهد العالم هجمات استخدمت فيها أعداد كبيرة من المسيّرات في وقت واحد، سواء بهدف تدمير أهداف تنتشر على مساحات واسعة أو لاستنزاف القدرات الدفاعية للخصم أو حتى لتشتيت أجهزة الرادار وشل قدرتها على مواجهة موجات متلاحقة من المسيرات، لكن كثرة العدد لا تعني بالضرورة وجود سرب قتالي شبكي بالمعنى العسكري الدقيق.

وتوضح دراسة صادرة عن مؤسسة RAND الأميركية، الفرق بين الهجوم الجماعي، والسرب الشبكي الحقيقي، فالهجوم الجماعي يعتمد على إطلاق عدد كبير من المنصات المسيرة نحو هدف واحد أو عدة أهداف، أما السرب الشبكي أو التعاوني الحقيقي فيتميز بقدرة مسيراته على تبادل المعلومات وتوزيع المهام واتخاذ قرارات تكتيكية داخل الشبكة نفسها خلال المعركة، لتوفير أفضل ظروف عملياتية لتحقيق الهدف.

هذا الفارق هو ما يجعل الجيوش تنظر إلى الأسراب الشبكية خاصة، باعتبارها جيلاً جديداً من الأسلحة، لا مجرد تطوير للمسيّرات الموجودة بالفعل لعدد عدد متزايد من جيوش العالم.

الأنماط الرئيسية القتال الجوي الشبكي

هناك 6 أنواع رئيسية من أنماط القتال الجوي بالأسراب، يختلف كل نوع من حيث عدد المسيرات وقدراتها والهدف من العملية العسكرية، فهناك هجمات الإغراق، وتشمل إطلاق عشرات أو مئات المسيّرات الرخيصة لإجبار الدفاعات على استهلاك صواريخ باهظة أو كشف مواقعها ما يتيح للمقاتلات المأهولة والصواريخ استهدافها مع اضطرارها لفتح أجهزة الرادار لفترة طويلة لتتبع الأهداف الكثيفة، هذا النمط شائع في أوكرانيا وهجمات شاهد/جيران الروسية، لكنه لا يثبت وجود "ذكاء جماعي".

هناك أيضاً تكتيك السرب متعدد المحاور، وهو تكتيك قتال جوي بالمسيرات يعتمد على استهداف هدف واحد من اتجاهات مختلفة، عبر surrogate swarms أو أسراب بديلة تهاجم من محاور متعددة، سواء مع تنسيق شبكي أو دونه، ثم يأتي السرب الشبكي التعاوني، باعتباره أحد أكثر التكتيكات العسكرية خطورة وتقدماً.

في هذا النوع من الهجمات تتبادل المسيرات المعلومات وتصحح مواقعها وتحدث بنك أهدافها وتوقيتات ومسارات الهجوم، داخل السرب نفسه، وتتحول كل مسيرة إلى "منصة عملياتية" داخل "عقل شبكي جماعي". 

ويعتبر تكتيك "سرب المسيرة الأم"، أحد أنواع القتال الشبكي المعقدة، إذ تعمل منصة كعقدة قيادة، تماماً مثلما تعمل طائرات الأواكس العملاقة، وتوجه هذه المسيرة الأم، المسيرات للهجوم أو الاستطلاع أو أي من المهام الموكلة إليها وتغير طبيعة أهدافها بصورة مرنة خلال المعركة. 

ضمن القتال التعاوني الشبكي، هناك مهام متنوعة، فهناك أسراب شبكية هدفها فقط الاستطلاع والحرب الالكترونية والتشويش على الرادارات وتدمير بنية القيادة والسيطرة، ومحاولة إرباك تدفق المعلومات للمدافعين وإغراقهم بشراك الكترونية وهمية، أيضاً تمتلك بعض الأسراب الشبكية القدرة على تنفيذ تكتيك معقد، هو تكتيك مقاومة الفقد، إذ يعيد السرب توزيع المهام إذا سقطت مسيرة أو أكثر ضمن مسيرات السرب، وهذه هي النقطة الحاسمة في القدرة التكنولوجية التي تفرق بين "سرب ذكي" وسرب موجه من مسيرة أخرى فقط.

سباق عالمي نحو السماء الشبكية

الولايات المتحدة كانت من أوائل الدول التي اختبرت هذا المفهوم عملياً عندما أطلقت عام 2016 أكثر من 100 مسيّرة صغيرة ضمن تجربة Perdix الشهيرة، يومها تحدثت وزارة الدفاع الأميركية عن قدرة هذه المسيّرات على العمل بشكل جماعي واتخاذ قرارات ضمن شبكة واحدة بدلاً من تلقي أوامر فردية لكل منصة.

أيضاً في الصين، تشير دراسات عسكرية إلى أسراب مصممة للعمل في بيئات بحرية وجوية معقدة، وعن استخدامات محتملة في أي صراع مستقبلي حول تايوان.

أما إسرائيل وتركيا وروسيا فتعمل على تطوير أنظمة تجمع بين الذخائر الجوالة والقدرات الشبكية والذكاء الاصطناعي بدرجات متفاوتة.

في المقابل تمتلك إسرائيل خبرات تكنولوجية ضخمة وتراكمية في الذخائر الجوالة شبه المستقلة مثل هاربي وهاروب، وهي ليست بالضرورة أسراباً ذكية، لكنها جزء رئيس أيضاً من المسار الشبكي للقتال الجوي، إذ تمتلك المسيرات بنك أهداف يتم تحديثه باستمرار، مع قدرات استهداف عالية ومديات متنوعة وقدرة تدميرية عالية.

اقرأ أيضاً

"شبكة العنكبوت".. كيف اخترقت أوكرانيا العمق الروسي بمسيرات؟

دمّرت القوات الأوكرانية عشرات الطائرات الحربية الروسية المتمركزة في قواعد جوية على بُعد آلاف الأميال من خطوط المواجهة، وفقاً لما أعلن جهاز الأمن الأوكراني.

وفي تركيا، التي تنشط بقوة في مجال المسيرات، ارتبط اسم Kargu-2 بتقارير عن قدرات بحث وهجوم ذاتية جرت خلال هجمات نفذت في ليبيا. 

كذلك في الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن كلاً من موسكو وكييف تملكان خبرة عملياتية ضخمة في الهجمات الجماعية والاستطلاع والذخائر الجوالة، لكن أغلب الاستخدام الموثق هو "إغراق وتنسيق" أكثر من كونه سرباً ذكياً كاملاً.

هل تملك إيران المقومات اللازمة؟

لا توجد أدلة تثبت أن إيران تمتلك اليوم سرباً تعاونياً متقدماً مماثلاً لما تطوره الولايات المتحدة أو الصين، لكن ما هو مؤكد أن طهران تمتلك أحد أكبر برامج المسيّرات في الشرق الأوسط وأكثرها تنوعاً، فعلى وقع العقوبات الغربية المشددة على طهران، ركزت إيران على إنشاء بنية تحتية صناعية متخصصة في المسيرات، التي استخدمت نماذج أولية منها في الحرب التي استمرت 8 سنوات مع العراق (1980-1988). 

كذلك ظهرت التقنيات الإيرانية التي تعتمد على منصات رخيصة الثمن وتقنيات توجيه متنوعة، في الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي نزاعات مسلحة أخرى في الشرق الأوسط.

على مستوى التصنيع فإن طهران لديها قائمة من المسيرات مثل شاهد-149 "غزة"، وشاهد-129، ومهاجر-6، وشاهد-136، توفر مزيجاً من قدرات الاستطلاع والاتصال والهجوم والإنتاج الكثيف منخفض الكلفة، وهي عناصر تشكل في حد ذاتها قاعدة مناسبة للانتقال نحو مفاهيم تشغيل أكثر تعقيداً مثل الأسراب الشبكية.

ولهذا تتعامل دوائر الاستخبارات والتحليل الأميركية مع شهادة الطيار باعتبارها "إشارة محتملة" إلى الاتجاه الذي قد تسلكه طهران خلال السنوات المقبلة، لتعويض النقصان الحاد في القدرات الجوية المأهولة، وكذلك تعرض قدراتها في مجال الدفاع الجوي لتدمير واسع النطاق، إذ تضيف الأسراب الشبكية، تهديداً جديداً وورقة في يد طهران.

ما الذي يغير المعادلة؟

تكمن خطورة الأسراب التعاونية في أنها تنقل المعركة من مستوى المنصة إلى مستوى الشبكة، ففي الحروب التقليدية يؤدي إسقاط الطائرة إلى إخراجها من المعركة، أما في السرب الشبكي فإن خسارة بعض العناصر قد لا تؤثر كثيراً في المهمة، لأن بقية العناصر تستطيع إعادة توزيع الأدوار والاستمرار في التنفيذ.

وهنا يصبح الدفاع الجوي أمام معضلة جديدة، فبدلاً من مواجهة هدف واحد مرتفع القيمة، يجد نفسه أمام عشرات الأهداف الصغيرة والرخيصة التي تتحرك كمنظومة واحدة، وتستطيع الاقتراب من الرادارات ومنصات الدفاع من اتجاهات متعددة وفي توقيت متزامن.

لهذا السبب تنظر الجيوش الكبرى إلى حرب الأسراب الشبكية باعتبارها أحد أهم التحولات العسكرية منذ ظهور الذخائر الموجهة بدقة.

ما وراء "قنديل البحر"

قد يثبت لاحقاً أن ما رآه الطيار الأميركي كان تفسيراً خاطئاً لمشهد معقد في ساحة قتال مضطربة، وقد يتبين أيضاً أنه كان أول وصف مباشر لقدرة إيرانية لم تُكشف بعد، لكن في الحالتين، فإن أهمية الشهادة لا تكمن في شكل المسيّرات، بل في السؤال الذي طرحته.

فإذا كانت المسيّرات الإيرانية بدأت بالفعل العمل ضمن شبكات تعاونية مترابطة، فإن الشرق الأوسط قد يكون على أعتاب مرحلة جديدة من الحرب الجوية، مرحلة لا تكون فيها المسيّرة الفردية هي وحدة القتال الأساسية، بل السرب بأكمله.

وعندها لن يعود السؤال الاستراتيجي: كم عدد المسيّرات التي تملكها إيران؟ بل: كم شبكة قتالية تستطيع أن تطلقها في السماء دفعة واحدة؟

تصنيفات

قصص قد تهمك