
توصلت دراسة أميركية إلى أن برنامجاً مكثفاً يجمع بين ممارسة الرياضة وتحسين النظام الغذائي والتدريب الذهني والتفاعل الاجتماعي، قد يبطئ بعض التغيرات المبكرة المرتبطة بتلف الأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ عند كبار السن المعرضين لخطر التدهور الإدراكي، خصوصاً عندما يبدأ التدخل قبل سن السبعين.
لكن الباحثين قالوا إن الفائدة ظهرت في مؤشر دقيق واحد بالتصوير بالرنين المغناطيسي، ولم ترصد اختلافات واضحة خلال عامين في مؤشرات أخرى تعكس تلفاً أكثر تقدماً في المادة البيضاء أو حدوث نزيف دقيق في الدماغ.
شملت الدراسة 959 شخصاً تراوحت أعمارهم بين 60 و79 عاماً، وكانوا لا يعانون ضعفاً إدراكياً واضحاً، لكن لديهم عوامل تزيد خطر إصابتهم بالخرف أو تراجع الذاكرة، مثل قلة النشاط البدني وسوء النظام الغذائي وارتفاع ضغط الدم أو السكري أو وجود تاريخ عائلي لمشكلات الذاكرة.
ونشرت النتائج في دورية JAMA Network في تحليل ثانوي مخطط مسبقاً لبيانات تجربة أميركية عشوائية اختبرت ما إذا كان تعديل عدة جوانب من نمط الحياة يمكن أن يساعد في حماية صحة الدماغ.
حمية البحر المتوسط
قسم الباحثون المشاركين بصورة عشوائية إلى مجموعتين؛ خضعت المجموعة الأولى لبرنامج منظم لمدة عامين شمل تمارين هوائية وتمارين مقاومة ومرونة تحت الإشراف، إلى جانب خطة غذائية فردية مستوحاة من نظام يجمع بين حمية البحر المتوسط ونظام "داش" فضلاً عن التدريب المعرفي والأنشطة الاجتماعية والإرشاد السلوكي.
أما المجموعة الثانية فتلقت مواد تعليمية وإرشادات عامة عن المجالات نفسها، لكنها لم تحصل على المتابعة المكثفة أو التدريب الموجه نحو تحقيق أهداف محددة.
وأجرى الباحثون فحوصاً سنوية بالرنين المغناطيسي للدماغ عند بداية الدراسة، ثم بعد 12 شهراً و24 شهراً، لقياس عدد من العلامات المرتبطة بصحة الأوعية الدموية الدقيقة وسلامة المادة البيضاء التي تنقل الإشارات بين مناطق الدماغ.
كانت أبرز المؤشرات ما يعرف باسم "الماء الحر" في المادة البيضاء، وهو مقياس مشتق من تصوير الانتشار بالرنين المغناطيسي، ويعكس زيادة السوائل خارج الخلايا، وقد ترتبط زيادته باضطراب الحاجز الدموي الدماغي أو الالتهاب أو تلف الأنسجة وضعف تصريف السوائل حول الأوعية الدموية.
ووجد الباحثون أن مستويات الماء الحر ارتفعت بمرور الوقت لدى المشاركين عموماً، بما يتفق مع التغيرات التي تحدث مع الشيخوخة وأمراض الأوعية الدقيقة، لكن الزيادة كانت أبطأ بصورة ملحوظة لدى المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 70 عاماً في مجموعة التدخل المنظم، مقارنة بنظرائهم الذين تلقوا الإرشادات الذاتية.
ولم يظهر فرق واضح بين البرنامجين لدى المشاركين الذين بلغوا 70 عاماً أو أكثر، إذ ارتفع مؤشر الماء الحر في المجموعتين بمعدلات متقاربة.
وقالت الباحثة الرئيسية للدراسة بولين مايار، الباحثة في جامعة كاليفورنيا بمدينة ديفيس في الولايات المتحدة، إن النتائج تشير إلى أن التدخلات المكثفة في نمط الحياة قد تكون أكثر قدرة على التأثير في المراحل المبكرة من إصابة الأوعية الدموية الدقيقة، قبل تراكم تلف واسع يصعب عكسه خلال فترة قصيرة.
وأضاف الباحثون أن بلوغ سن السبعين لا يمثل بالضرورة نقطة فاصلة صارمة، بل قد يعكس تراجعاً تدريجياً في قدرة أنسجة الدماغ والأوعية على الاستجابة للتدخل مع تقدم العمر وزيادة تصلب الأوعية وتراكم الأمراض المزمنة.
وكان متوسط عمر المشاركين 68 عاماً، وشكلت النساء نحو 62% من العينة، وكان ارتفاع ضغط الدم أكثر عوامل الخطر شيوعاً، إذ وجد لدى نحو 65% من المشاركين، بينما أصيب نحو 15% بالسكري، وكان لدى نحو 45% تاريخ من التدخين.
ولم تجد الدراسة تأثيرا ذا دلالة إحصائية للبرنامج المنظم في حجم فرط كثافة المادة البيضاء، وهي بقع تظهر في صور الرنين المغناطيسي وتمثل تلفاً أكثر وضوحاً يرتبط بأمراض الأوعية الصغيرة والتدهور الإدراكي والسكتات الدماغية.
ولم تظهر فروق بين المجموعتين في مؤشرات أخرى لبنية المادة البيضاء، من بينها التباين الكسري ومقياس اتساع انتشار المياه داخل الأنسجة، أو في مؤشر يستخدم لتقدير حركة السوائل على امتداد المساحات المحيطة بالأوعية الدموية.
ولم يقلل البرنامج كذلك بصورة واضحة من احتمال ظهور نزيف دماغي مجهري جديد خلال مدة الدراسة، وكان 128 مشاركاً، أو نحو 13%، لديهم نزيف دقيق عند بدء المتابعة، بينما ظهرت حالات جديدة لدى 70 مشاركاً، أو نحو 7%، خلال العامين.
وقال الباحثون إن غياب التأثير في هذه المؤشرات لا يعني بالضرورة أن التدخل غير مفيد، إذ إن بعض علامات التلف البنيوي تتطور ببطء وقد تحتاج إلى متابعة أطول من عامين لإظهار فروق بين المجموعات.
وأظهرت الدراسة أن ارتفاع مؤشر الماء الحر عند البداية ارتبط بزيادة احتمال ظهور نزيف دماغي مجهري جديد لاحقاً، وبزيادة أسرع في بقع المادة البيضاء، كما ارتبط تدهور بعض مقاييس بنية الألياف العصبية بتسارع تراكم تلك البقع.
يرى الباحثون أن هذه النتائج تدعم استخدام مؤشر الماء الحر كعلامة مبكرة وحساسة لاكتشاف الأشخاص الأكثر عرضة لتفاقم أمراض الأوعية الصغيرة في الدماغ، حتى قبل ظهور تغيرات كبيرة في الصور التقليدية.
ويمكن استخلاص هذا المؤشر من فحوص الانتشار بالرنين المغناطيسي المتاحة على نطاق واسع، لكنه يحتاج حالياً إلى معالجة متخصصة للصور، ولا يستخدم بصورة روتينية في معظم العيادات.
وتدعم النتائج فكرة أن حماية الدماغ في الشيخوخة قد لا تعتمد على تدخل واحد، وإنما على التعامل في الوقت نفسه مع النشاط البدني والتغذية والتدريب الذهني والعلاقات الاجتماعية وعوامل الخطر القلبية الوعائية.
وحذر الباحثون من أن الدراسة تمثل تحليلاً فرعياً لمجموعة من المشاركين الذين خضعوا للتصوير، وأن مدة المتابعة كانت قصيرة نسبياً لرصد تغيرات كبيرة في أمراض الأوعية الدماغية.
كما أن المجموعة المقارنة لم تكن دون تدخل، إذ تلقت معلومات صحية واجتماعات تعليمية، وهو ما قد يكون حقق بعض الفائدة وقلل حجم الفارق بين المجموعتين.
وقال الباحثون إن متابعة المشاركين لفترة أطول ستكون ضرورية لمعرفة ما إذا كان التباطؤ في التغيرات المجهرية المبكرة سيؤدي في النهاية إلى انخفاض واضح في تلف المادة البيضاء أو النزيف الدقيق أو خطر الإصابة بالخرف والسكتة الدماغية.
وخلصوا إلى أن بدء برنامج مكثف لتحسين نمط الحياة في مرحلة مبكرة من الشيخوخة قد يمنح فرصة أكبر للحفاظ على سلامة الأوعية الدقيقة في الدماغ، لكن النتائج لا تثبت أن هذه التدخلات تمنع الخرف، ولا تحدد برنامجاً واحداً يصلح لجميع كبار السن.











