
يدير حسين دادفند وهو قائد عسكري أشيب الشعر، كلية عسكرية مهمة شمال طهران، تتمثل مهمته في تدريب آلاف الجنود الإيرانيين الذين يمرون عبر بوابات معسكره على كيفية القتال والانتصار في ساحة المعركة، بحسب ما أوردته صحيفة "فاينانشيال تايمز".
وخلال الفترة التي سبقت حرب إيران التي استمرت أسابيع مع إسرائيل والولايات المتحدة، كان دادفند من بين المسؤولين العسكريين الإيرانيين الذين انكبوا على استخلاص الدروس الاستراتيجية من الحرب في أوكرانيا.
وتراوحت هذه الدروس، كما كتب في أحد مقالاته، بين مرونة قطاع الإنتاج الدفاعي الأوكراني واستخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد لإنتاج طائرات مسيّرة رخيصة على نطاق واسع.
ونُشرت توصياته في دورية دفاعية إيرانية مرموقة قبل عامين، ودعا فيها إلى أن تستثمر طهران في الطائرات المسيّرة، وأن تستخدم وحدات قتالية أكثر رشاقة وحركة، وأن تقوم بتحديث أساليب التدريب والقتال، كما اقترح التوجه نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة.
وراجعت "فاينانشيال تايمز" أكثر من 300 مقال من هذا النوع نُشرت خلال السنوات الخمس الماضية في نحو 12 مجلة دفاعية إيرانية، وتوفر هذه المواد نافذة فريدة على المؤسسة المغلقة في طهران، بما في ذلك ما يُناقش داخلياً، وكيف تتطور التكتيكات، وما هي التقنيات التي تحظى بالأولوية.
وتُظهر المقالات أن طهران درست الحرب في أوكرانيا عن كثب، خصوصاً فيما يتعلق بالطائرات المسيّرة، وركزت على تحديث قدراتها في الحرب السيبرانية، كما أعربت عن قلقها بشأن التخطيط المسبق لعملياتها العسكرية. كما تُظهر أن إيران راقبت أداء روسيا وكذلك كيفية تكيف أوكرانيا مع قتال خصم أقوى.
ورغم أن ما طرحه دادفند لم يكن مفاجئاً بحد ذاته، فإنه قدم مؤشراً مبكراً على الاتجاه الذي تسلكه المؤسسة العسكرية الإيرانية، ففي مقابلة نادرة العام الماضي، كشف أن طهران حدثت مناهجها وأساليب تدريبها لتعكس دروس الحرب في أوكرانيا.
وقال: "كانت الحرب بين روسيا وأوكرانيا من الحالات التي درسناها بعناية. ومن أهم ما أظهرته الاستخدام الواسع للطائرات المسيّرة الصغيرة والذكاء الاصطناعي. ونحن نشهد دخول تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والكم والنانو إلى المجال العسكري".
وجميع المقالات التي جرت مراجعتها منشورة في مجلات متاحة للجمهور، لكنها مرتبطة بكليات الأركان والمؤسسات التدريبية التابعة للحرس الثوري الإيراني والقوات المسلحة النظامية. ويضم كتابها قادة كباراً وضباطاً طموحين وأكاديميين مكلفين بتحليل التحديات الاستراتيجية التي تواجه إيران.
وتوفر هذه المقالات لمحات عن كيفية تفكير الجيش الإيراني وتعلمه من الصراعات لتطبيق الدروس في النزاعات المستقبلية.
وقالت نيكول جرايفسكي، الخبيرة في الشأن الإيراني: "هذه المقالات مخصصة للتعلم العسكري، لكنها أيضاً وسيلة لطرح أفكار واختبار ردود الفعل. وأحياناً يتم تبني هذه الأفكار لاحقاً".
لكن أهم ما تكشفه هو كيفية تقييم كبار القادة لنقاط ضعف بلادهم في السنوات التي سبقت الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة.
"تحذير من ضعف التخطيط"
ومن بين ذلك مقال مشترك لقائدين بارزين حذرا فيه من ضعف التخطيط لمواجهة "التهديدات الناشئة"، داعين إلى الإسراع في تجنيد متخصصين، وإصلاح التدريبات العسكرية، والتخطيط لشراء الأسلحة وفق تقنيات متقدمة مثل الطائرات المسيّرة والليزر والمنصات الفضائية، كما أشارا أيضاً إلى أن الحرب في أوكرانيا تمثل مصدراً لـ"تهديدات جديدة".
ويرى محللون أن الكتابة عن حرب خارجية تمنح العسكريين مساحة لمراجعة أدائهم بشكل غير مباشر، كما تتيح فهماً أفضل لكيفية عمل الجيوش الأخرى.
وفي جانب آخر، كشفت المقالات عن نقاشات داخلية، مثل الجدل بشأن شراء مقاتلات "سو-35" الروسية، التي دافع عنها وزير الدفاع السابق عزيز نصير زاده، الذي اُغتيل في غارة جوية.
كما أوصى بتزويد القوات الجوية بطائرات مسيّرة انتحارية، ودمج الذكاء الاصطناعي في اختيار الأهداف، إلى جانب إعادة تأهيل القواعد الجوية المتقادمة.
وتُعد المجلات العسكرية إحدى الوسائل القليلة لفهم كيفية تصرف إيران في سيناريوهات مختلفة، مثل السيطرة على سفن في مضيق هرمز أو صد عمليات إنزال بحري، إذ تميل الدراسات إلى تفضيل النهج التصادمي في الحالة الأولى واستخدام الألغام البحرية كوسيلة ردع في الثانية.
كما تُظهر العديد من المقالات تركيزاً واضحاً على تطوير تقنيات الطائرات المسيّرة، وتحسين الاتصالات العسكرية، وتعزيز الدفاعات الجوية، وتقوية قدرات الحرب السيبرانية باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ويرى خبراء أن هذه الدراسات، رغم تفاوت جودتها، تقدم مؤشرات مهمة على طريقة تفكير الضباط الإيرانيين، حتى إن كانت بعض التحليلات السياسية ضعيفة من الناحية المنهجية.
كما تعكس كثير من هذه الكتابات رؤية أيديولوجية تعتبر أن واشنطن في حالة ضعف، وترى فرصاً لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، مع اعتبار دول مثل أذربيجان مصدر قلق أمني بسبب علاقتها مع إسرائيل.
وفي الوقت نفسه، تكشف بعض الدراسات عن جوانب داخلية، مثل مشكلات في المستشفيات العسكرية، أو قضايا تتعلق بالتمييز الاجتماعي، أو حتى الحاجة لمعالجة الضغوط النفسية لدى الجنود.
وتقدم هذه المجلات العسكرية صورة غير مكتملة لكنها كاشفة عن كيفية تفكير المؤسسة العسكرية الإيرانية، وما الذي تركز عليه من تحديثات واستعدادات، فهي تظهر جيشاً يسعى لاستخلاص الدروس من الحروب الحديثة، خاصة في مجالات التكنولوجيا، مع وعي متزايد بنقاط ضعفه وتحدياته المستقبلية.









