
يُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مزيداً من التريث في حسم الاتفاق المرتقب لإنهاء حرب إيران، وسط ضغوط داخلية متزايدة، فيما حددت إدارته فتح مضيق هرمز كـ"شرط أساسي لمحادثات جدية" بشأن ملف طهران النووي.
قال ترمب، الأحد، إنه وجه المفاوضين الأميركيين إلى "عدم التسرع" في إبرام أي اتفاق مع إيران، فيما قلّلت إدارته من آمال تحقيق انفراجة وشيكة في الحرب الدائرة منذ نحو ثلاثة أشهر، وهي الآمال التي أحياها كلا الطرفين قبل يوم واحد فقط.
وأشار ترمب أيضاً إلى استمرار الحصار الأميركي على الموانئ والسفن الإيرانية، إذ يأتي إنهاء هذا الحصار في مقدمة مطالب طهران الأساسية من أجل التوصل إلى اتفاق.
ولم يصدر أي رد بعد من الحكومة الإيرانية، لكن وكالة "تسنيم" شبه الرسمية، ذكرت أن الولايات المتحدة "لا تزال تعرقل بنوداً" من اتفاق محتمل، منها مطالبة طهران بالإفراج عن الأموال المجمدة.
وقبل يوم واحد، قال ترمب إن واشنطن وإيران أنجزتا "قدراً كبيراً من التفاوض" على مذكرة تفاهم تتعلق باتفاق سلام من شأنه إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان يمر من خلاله خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية قبل اندلاع الحرب.
تلويح أميركي بالتصعيد العسكري
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الاثنين، إن الولايات المتحدة "إما أن تتوصل إلى اتفاق جيد" مع إيران، أو "سيكون عليها التعامل مع الأمر بطريقة أخرى"، في إشارة إلى احتمال العودة إلى التصعيد العسكري.
وأضاف روبيو من نيودلهي، في تصريحات أوردتها "رويترز"، أن واشنطن ستمنح "الدبلوماسية كل فرصة ممكنة للنجاح قبل استكشاف البدائل"، معتبراً أن لدى واشنطن ما يعتقد أنه "مقترح قوي إلى حدّ كبير" على الطاولة، يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز.
كما لفت إلى وجود "مقترح قوي" للدخول في "مفاوضات محددة المدة بشأن الملف النووي الإيراني"، معرباً عن أمله في إنجاح المسار الدبلوماسي والتوصل إلى اتفاق.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الاثنين، إن "إدارة مضيق هرمز تخص الدولتين اللتين تطلان عليه، إيران وسلطنة عمان". وأضاف خلال مؤتمر صحافي في طهران، أن "مذكرة التفاهم المحتملة مع واشنطن، لا تتضمن أي تفاصيل محددة بشأن إدارة مضيق هرمز"، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".
واعتبر بقائي أن "الخدمات المقدمة لعبور مضيق هرمز تتطلب دفع مقابل"، زاعماً أنها "ليست رسوم عبور".
وأضاف المتحدث أن "إيران لن تفرض رسوماً على عبور مضيق هرمز".
والأحد، قال روبيو، إنه "لا يمكن حل ملف نووي خلال 72 ساعة"، ودعا إلى "إعادة فتح مضيق هرمز فوراً، ثم الدخول، وفق معايير متفق عليها، في محادثات جادة جداً بشأن التخصيب واليورانيوم عالي التخصيب، وتعهد إيران بعدم امتلاك سلاح نووي".
وشدد روبيو، حسبما أوردت صحيفة "نيويورك تايمز"، على أن موقف ترمب بشأن منع إيران من امتلاك سلاح نووي "لم يتغير"، لكنه أشار إلى أن الإدارة الأميركية مستعدة لاعتماد "مقاربة تدريجية" في المفاوضات. وأضاف: "لن يستغرق الأمر سنوات، لكنه سيحتاج بعض الوقت لمعالجة المسائل التقنية".
وأشار روبيو إلى دعم "سبع أو ثماني دول إقليمية" لهذا المسار الدبلوماسي، مؤكداً أن ترمب يفضّل دائماً الحلول القائمة على الاتفاقات، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن الخيارات العسكرية ستظل مطروحة إذا لم تُثمر المحادثات عن اتفاق خلال 60 يوماً.
قضايا لا تزال عالقة
ولا يزال الجانبان على خلاف حول العديد من القضايا الشائكة، مثل طموحات إيران النووية ومطالباتها برفع العقوبات والإفراج عن ملايين الدولارات من إيرادات النفط المجمدة في حسابات بنوك أجنبية وحرب إسرائيل على لبنان.
وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب، في تصريحات أوردتها "رويترز"، إن مسألة توقيع اتفاق لن تتم الأحد، معتبراً أن المسؤولين الإيرانيين لا يتحركون بالسرعة الكافية.
وأضاف المسؤول، أن إيران وافقت "من حيث المبدأ" على فتح مضيق هرمز مقابل رفع الولايات المتحدة الحصار البحري المفروض عليها، والتخلص من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
ولفت إلى أن ما فهمته الولايات المتحدة هو أن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أقر الإطار العام للاتفاق.
ولم يصدر أي تأكيد بعد من إيران، أو تعقيب بشأن المقصود بالموافقة "من حيث المبدأ".
وذكرت "تسنيم"، الأحد، أن هناك "احتمالاً" لإلغاء الاتفاق مع الولايات المتحدة بشأن إنهاء الحرب، بسبب ما وصفته بـ"العراقيل الأميركية" لبعض البنود، حسبما ذكرت الوكالة الإيرانية.
أبرز ملامح التفاهم المحتمل بين إيران والولايات المتحدة
- إنهاء الحرب على كافة الجبهات بما يشمل لبنان.
- تعهد الولايات المتحدة وإيران بعدم تبادل الهجمات بما يشمل حلفاء الجانبين.
- رفع العقوبات عن النفط الإيراني خلال فترة التفاوض (30 إلى 60 يوماً).
- تخصيص 30 يوماً لإجراءات تتعلق بمضيق هرمز و60 يوماً للمحادثات النووية.
- زيادة عدد السفن العابرة لمضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يوماً.
- إنهاء الحصار البحري الأميركي على إيران خلال الفترة نفسها (30 يوماً).
- الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في المرحلة الأولى من مذكرة التفاهم.
وأوضحت الوكالة، أنه "رغم بعض المباحثات التي جرت، الأحد، إلا أن العراقيل الأميركية في بعض بنود التفاهم، ومنها قضية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، لا تزال مستمرة، ولم تُحل حتى الآن".
المفاوضات النووية
وقال المسؤول الأميركي لـ"رويترز"، إن واشنطن تتصور أن تعيد إيران فتح المضيق مع إنهاء الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية. وأشار إلى أن التفاوض على تفاصيل الإجراءات المرتبطة بالملف النووي سيستغرق وقتاً أطول.
ونفى المسؤول ما أثير عن أن إيران ترفض التخلص من مخزونها من اليورانيوم المخصب. وقال إن "المسألة تتعلق بالكيفية".
وقال مسؤول كبير آخر في الإدارة الأميركية، الأحد، إن الإطار المقترح سيمنح المفاوضين 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي.
وقالت مصادر إيرانية لـ"رويترز"، إن مراحل مستقبلية قد تشهد التوصل إلى "صيغ عملية" لحل النزاع المتعلق بمخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب، منها تخفيف درجة نقائه تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة.
ونفت إيران مراراً اتهامات أميركية وإسرائيلية بشأن سعيها للحصول على أسلحة نووية، مشددة على حقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض المدنية، إلا أن المستوى الذي وصلت إليه في تخصيب اليورانيوم يتجاوز بكثير درجة النقاء اللازمة لتوليد الكهرباء.
الغبار النووي
ونقلت شبكة CNN عن مسؤول كبير في إدارة ترمب قوله، إن الاتفاق الإطاري الجاري التفاوض عليه بين الولايات المتحدة وإيران، يمنح الطرفين 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي.
وأوضح المسؤول أن الاتفاق المحتمل يهدف إلى ضمان "عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً مطلقاً، ويتضمن التزاماً إيرانياً بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يصفه ترمب مراراً بـ"الغبار النووي".
وأضاف أن "آلية التخلص من المخزون النووي لم تُحسم بعد"، وستكون جزءاً من المرحلة التالية من المفاوضات.
وأشار المسؤول إلى أن الاتفاق سيؤدي أيضاً إلى "إعادة فتح مضيق هرمز"، بما يشمل إزالة الألغام وعودة الحركة التجارية، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن كيفية إدارة الممر الملاحي مستقبلاً.
وقال: "إذا لم تلتزم إيران، فلن تحصل على شيء، لا غبار نووي، لا أموال، وكلما أعيد فتح المضيق، يجري تخفيف الحصار بشكل متناسب".
ووصف المسؤول هيكل الاتفاق بأنه: "نسخة معززة للغاية من مبدأ: ثق ولكن تحقق".
وأجرى ترمب، السبت، اتصالاً هاتفياً مع قادة دول المنطقة، قال إنه تناول خلاله الملف الإيراني ومذكرة التفاهم المرتبطة بالسلام، قبل أن يعلن لاحقاً أن الاتفاق "تم التفاوض عليه إلى حد كبير"، لكنه عاد الأحد ليؤكد أنه "ليس في عجلة من أمره لإتمام الاتفاق، ويعتقد أن الوقت يصب في مصلحته".
انتقادات أميركية
روج ترمب مراراً لإمكانية التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، التي بدأت بهجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير الماضي، بينما دخل اتفاق وقف إطلاق النار الهش بين الجانبين حيز التنفيذ في أبريل الماضي.
وتعرضت نسب التأييد لترمب لانتكاسات، بسبب أثر الحرب السلبي على أسعار الطاقة في الولايات المتحدة، وحاول الكونجرس الحد من صلاحياته المتعلقة بالحرب.
ومع معرفة بعض تفاصيل الاتفاق المحتمل خلال مطلع الأسبوع، قال منتقدون، من بينهم وزير الخارجية السابق مايك بومبيو ونواب ديمقراطيون، إنه لا يقدم اختلافاً يذكر عن الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 والذي تفاوض عليه الرئيس السابق باراك أوباما، وانسحب منه ترمب خلال ولايته الأولى.
وقال السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين، عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إن الخطوط العريضة المتداولة للاتفاق لا تبدو أكثر من عودة إلى "الوضع القائم قبل الحرب" مع إيران. وأضاف في تصريحات لشبكة "فوكس نيوز": "أعتقد أن هذا كان خطأ فادحاً".
ورد ترمب، الذي واجه أيضاً انتقادات من محافظين؛ بسبب ما اعتبروه استعداداً منه للتنازل مع إيران، على ذلك في منشور على منصة "تروث سوشال"، وقال: "إذا أبرمت اتفاقاً مع إيران، فسيكون اتفاقاً جيداً ومناسباً.. لذا لا تصغوا إلى الفشلة الذين ينتقدون شيئاً لا يفقهون عنه شيئاً".
مضيق هرمز
ومما قد يشكل أيضاً عقبة محتملة أمام الاتفاق، ما ذكره مستشار عسكري إيراني لخامنئي، زاعماً أن طهران لها الحق القانوني في إدارة مضيق هرمز، لكن لم يتضح ما إذا كان ذلك يعني استمرارها في تحديد السفن المسموح لها بالمرور، حسبما أوردت "رويترز".
وقال الحرس الثوري الإيراني إن 33 سفينة عبرت من مضيق هرمز على مدى الساعات الأربع والعشرين الماضية بعد أن حصلت على إذن من طهران.
لكن العدد لا يزال أقل بكثير من المعدل اليومي الطبيعي قبل الحرب، إذ كانت تمر 140 سفينة في المتوسط عبر المضيق.
في المقابل، لا يزال الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية مستمراً، إذ أكد مسؤولان أميركيان لصحيفة "نيويورك تايمز"، استمرار العمليات العسكرية حتى مع الحديث عن تفاهم مبدئي لإعادة فتح مضيق هرمز.
وبحسب المسؤولين الأميركيين، أعادت القوات البحرية الأميركية توجيه 100 سفينة تجارية، وعطّلت أربع سفن منذ بدء الحصار في 13 أبريل، فيما قال قائد القيادة المركزية الأميركية، براد كوبر، إن الحصار "ضيّق الخناق اقتصادياً على إيران".











