
يواجه الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران، معارضة من أطراف محسوبة على التيار المحافظ في إيران، فيما يتعرض المرشد الجديد مجتبى خامنئي لضغوط وانتقادات من هذا التيار، الذي يرى أن المواجهة مع الولايات المتحدة، تمثل الخيار الأمثل بدلاً من المفاوضات.
ووفق صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، نقلاً عن مسؤولين ومصادر في طهران، فإن هذا التيار المتشدد، ورغم أنه محدود العدد، إلا أن له صخباً في الحياة السياسية، وله أيضاً أعضاء في البرلمان ومقعد في المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو يعارض أي تنازلات لواشنطن، مستخدماً التجمعات الشعبية ووسائل الإعلام الرسمية والتصريحات العامة والخاصة، كأدوات لمحاولة عرقلة الاتفاق.
ولا يزال من غير الواضح متى سيتم الإعلان عن اتفاق فعلي بين الولايات المتحدة وإيران.
وعقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اجتماعاً استمر ساعتين مع أعضاء حكومته في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، الجمعة، لكنه أرجأ اتخاذ القرار النهائي، بحسب مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية.
وفي وقت سابق من اليوم نفسه، قال كبير المفاوضين الإيرانيين، رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في منشور على منصة "إكس"، إن طهران لا تثق بواشنطن، وإنها "لن تتخذ أي خطوة قبل أن يتحرك الطرف الآخر أولاً".
تشكيك في المفاوضات
ولا يزال الخلاف السياسي مستمراً بين التيارات السياسية في إيران، إذ يحاول المحافظون التشكيك فيها، مستخدمين مختلف المنصات للوصول إلى هدفهم.
فقد عمل التلفزيون الرسمي الإيراني، الذي يديره مسؤول متشدد، على تضخيم الانقسامات داخل البلاد، وتصوير المفاوضات على أنها فشل، وفق التقرير.
وفي اجتماع مع كبار مسؤولي التلفزيون الرسمي، الاثنين، وبّخ الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان المؤسسة الإعلامية، داعياً إياها إلى تجنب إثارة الانقسام.
وقال بيزشكيان إن حتى المرشد السابق علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول من الحرب في 28 فبراير الماضي، "كان مقتنعاً بضرورة الذهاب إلى طاولة المفاوضات". وأضاف: "لكن الآن، نحن نروّج لفكرة أنه لا ينبغي التفاوض".
وخلال تجمع حاشد لأنصار التيار المتشدد في طهران، الجمعة، لوّح المشاركون بالأعلام، ورددوا هتافات تدعو إلى الصمود.
وسأل مراسل التلفزيون الرسمي بعض الحاضرين عمّا إذا كان ينبغي لإيران التراجع أو مواصلة القتال ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. فقالت إحدى المشاركات: "نريد منهم أن يعاقبوهم جيداً". وقال أحد الرجال: "اصمدوا، نحن معكم حتى آخر قطرة دم".
وفي منشور على منصة "إكس"، الجمعة، قال إبراهيم عزيزي، النائب المحافظ ورئيس لجنتي الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان: "على ترمب أن يعلم أن إيران، بصفتها المنتصر والغالب في الميدان، هي من تضع الشروط".
ونقلت "نيويورك تايمز" عن محللين مقربين من الحكومة الإيرانية، قولهم إن التيار المتشدد يمثل رأي الأقلية، سواء على المستوى العام، أو بين المسؤولين.
لكن تجاهل هذا التيار، قد يؤدي إلى تنفير شريحة كانت دائماً تعتبر من أكثر الداعمين ولاءً للجمهورية الإسلامية، خلال الاضطرابات السياسية والاجتماعية.
وقال المحلل السياسي مهدي رحمتي، في مقابلة هاتفية مع الصحيفة من طهران، إن "هذا التيار لا يتحدث باسم غالبية الإيرانيين، وقد تم تهميشه من مراكز صنع القرار الأساسية، فالمحادثات النووية مستمرة رغم اعتراضه". لكنه أضاف: "على النظام أن يضع خطة للسيطرة عليهم وضبطهم، وإلا فقد يصبحون خطراً كبيراً على استقرار إيران".
انتقادات مبطنة لمجتبى خامنئي
وحتى المرشد الجديد مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق الراحل، لم يكن بمنأى عن انتقاداتهم.
وأعرب مجتبى خامنئي، المختفي منذ اندلاع الحرب، في بيانات مكتوبة عن دعمه لفريق التفاوض الإيراني.
وقد وجّه رجل الدين والنائب المتشدد حميد رسائي، انتقاداً مبطناً للمرشد، الخميس، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بعنوان: "من يستحق القيادة العليا؟".
وكتب رسائي أن النبي نوح كان لديه ابن "غير مؤمن"، مضيفاً أن "العلاقات العائلية لا تعني بالضرورة الصلاح".
وأُدينت المقارنة سريعاً من شخصيات سياسية ووسائل إعلام إيرانية، واتهمت النائب المتشدد، بتقويض مصداقية مجتبى خامنئي لتحقيق مكاسب سياسية.
وتراجع رسائي في منشور آخر، الجمعة، قائلاً إن جهات "سيئة النية" أساءت تفسير تصريحاته.
اتهامات بـ"التساهل" مع واشنطن
وفي وقت سابق من المفاوضات، كتب علي باقري كني، المتشدد الذي يشغل منصب نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، رسالة إلى مجتبى خامنئي، قال فيها، إن المفاوضين الإيرانيين بقيادة قاليباف كانوا "متساهلين أكثر من اللازم" مع الأميركيين خلال محادثاتهم مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في إسلام آباد، وفق ما نقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤولين إيرانيين كبيرين مطلعين على الرسالة. وطلب باقري كني من المرشد "التدخل، ووضع ضوابط للمفاوضات"، بحسب المسؤولين.
ورأت الأوساط السياسية في إيران، أن هذه الخطوة كانت محاولة لـ"إضعاف فريق التفاوض وقاليباف"، الذي يُعد حليفاً مقرباً وصديقاً للمرشد الجديد.
وكان باقري كني، الذي رأس في السابق فريق التفاوض الإيراني بالمفاوضات النووية، العضو الوحيد في المجلس الأعلى للأمن القومي الذي رفض التوقيع على رسالة مشتركة في أبريل، كتبها قاليباف وبيزشكيان إلى المرشد الجديد، توضّح ضرورة التوصل إلى اتفاق مع ترمب.
وحذّرت الرسالة من أن الوضع الاقتصادي "خطير للغاية"، وأن الحكومة تواجه أزمة حادة في الموازنة، وقد تشهد البلاد "اضطرابات جماهيرية واسعة"، بحسب المسؤولين الإيرانيين اللذين تحدثوا لـ"نيويورك تايمز".
ولم يكتفِ باقري كني بعدم توقيع الرسالة، بل سرّب محتواها إلى أعضاء متشددين في البرلمان، الذين قاموا بدورهم بنشر الخلاف إلى العلن.
لكن مجتبى خامنئي وقف إلى جانب فريق التفاوض، وفق المسؤولين الإيرانيين، عبر بيانات دعم خاصة وعلنية.
وفي بيان جديد، الخميس، بمناسبة استئناف البرلمان أعماله للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، دعا خامنئي جميع النواب إلى "الحفاظ على الوحدة"، والامتناع عن ما وصفها بـ"الانقسامات السياسية العبثية وتضخيم الانقسامات الاجتماعية".








