
رغم أن الخليج العربي لا يُعدّ من المناطق الزراعية الكبرى على مستوى العالم، إلا أن الحرب في المنطقة تهز صناعة الغذاء العالمية، من المزارعين إلى شركات التعبئة والتغليف والموزعين، بما يُهدد الأمن الغذائي ومستويات المعيشة.
قطعت الحرب مصادر حيوية للطاقة والأسمدة، وهي مدخلات أساسية في إنتاج الحبوب والخضراوات واللحوم. ويواجه المزارعون، الذين أضعفت موجات الطقس القاسية محاصيلهم بالفعل، تكاليف أعلى لهذه المدخلات الحيوية، ما يرجح انتقال العبء إلى المستهلكين عبر زيادة الأسعار.
أما الخيار الآخر فهو تقليص استخدام الأسمدة والمدخلات الزراعية الأخرى، بما يخفض الغلة، ويرفع خطر نقص الغذاء، خصوصاً في الدول الأفقر المعتمدة بشكل كبير على الواردات.
وحذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يدفع الجوع العالمي إلى مستويات قياسية.
كيف تؤثر الحرب على إنتاج الأسمدة؟
أصبحت منطقة الخليج خلال العقود الأخيرة مُنتجاً رئيسياً للأسمدة النيتروجينية، فيما كان مضيق هرمز يتولى نحو ثلث التجارة العالمية قبل اندلاع الحرب. ويُعد الخليج أيضاً مورداً رئيسياً للكبريت، اللازم لإنتاج أنواع أخرى من الأسمدة.
عطل النزاع صادرات المنطقة بشكل كبير، فدفع الأسعار إلى الارتفاع، وأجبر المزارعين على الإسراع لتأمين احتياجاتهم من هذه المنتجات ما دام ذلك متاحاً.
وامتد أثر الحرب إلى إنتاج الأسمدة النيتروجينية في مناطق أخرى من العالم، بعدما ضغط النزاع على إمدادات الغاز الطبيعي، وهو المكون الأساسي لهذه الصناعة. وتدعم الأسمدة النيتروجينية نحو نصف إنتاج الغذاء العالمي، من خلال تزويد النباتات بالعناصر اللازمة للنمو. وخفضت شركات تصنيع الأسمدة في دول مثل الهند وبنغلاديش إنتاجها مؤقتاً، بينما زاد ارتفاع أسعار الغاز الضغوط على الإنتاج الأوروبي.
تُشير مؤشرات إلى أن المزارعين قلصوا مشترياتهم من الأسمدة بالفعل. وإذا استمرت الاضطرابات، فمن المرجح أن يخفضوا استخدامها في الخريف، ما قد ينعكس على غلة المحاصيل العام المقبل.
قال ويسلي ديفيس، الاقتصادي لدى "ميريديان أغريبزنس أدفايزرز" (Meridian Agribusiness Advisors): "هذه ليست مجرد صدمة سعرية، بل قد تتحول أيضاً إلى صدمة إنتاجية ذات أثر متأخر".
كيف تعطل حرب إيران صناعة الغذاء أيضاً؟
لا يمكن فصل إنتاج الغذاء الحديث عن الطاقة. فالجرارات العاملة بالديزل تحرث التربة، وكثير من المنتجات الطازجة يُزرع داخل بيوت زجاجية مُدفأة بالغاز، فيما تشغل أنواع الوقود النفطي السفن والطائرات والشاحنات التي تنقل الغذاء لمسافات طويلة في اقتصاد عالمي مترابط.
وتضغط الحرب على إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل الآلات الزراعية التي تزرع المحاصيل وتحصدها، وترش المواد الكيميائية، وتروي النباتات.
في آسيا، اضطر بعض المزارعين إلى التخلي عن زراعة الأرز أو تأجيلها مع ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة، بينما يُتوقع تراجع تقديرات المحاصيل في دول مثل فرنسا وأستراليا.
كما أدى تعطل مضيق هرمز وطريق الشحن في البحر الأحمر إلى زيادة تكاليف الشحن وإطالة فترات نقل الحبوب والبذور الزيتية والأسمدة. ولم تسلم الرحلات القصيرة من التأثير، إذ جعل ارتفاع أسعار الوقود النقل البري أكثر تكلفة.
وتبرز التعبئة والتغليف كحلقة أخرى في الأزمة. فبحسب "رابوبنك" (Rabobank)، توفر منطقة الشرق الأوسط نحو ثلث النافثا المتداولة عالمياً، وهي مادة تستخدم في إنتاج الأغلفة البلاستيكية، بينما يظل إنتاج الورق والكرتون كثيف الاستهلاك للطاقة.
في ماليزيا، تسبب نقص راتنج البلاستيك المستخدم في تصنيع زجاجات الحليب سعة لترين في خلو بعض أرفف متاجر البقالة. وفي اليابان، دفع نقص الحبر أكبر شركة لصناعة رقائق البطاطس في البلاد إلى تحويل عبواتها إلى اللونين الأسود والأبيض، فيما قد تواجه البلاد أيضاً نقصاً في الموز مع تراجع إمدادات الإيثيلين المستخدم في إنضاج الفاكهة.
تدفع أسعار النفط المرتفعة الطلب على الديزل الحيوي والديزل المتجدد، ما يُقلص الكميات المتاحة لصناعة الغذاء من السلع المستخدمة في إنتاج هذه الأنواع البديلة من الوقود، مثل فول الصويا والكانولا. وظهر أحد أبرز آثار ذلك في قفزة أسعار الزيوت النباتية إلى أعلى مستوى منذ الفترة التي أعقبت مباشرة الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
ماذا يعني ذلك لأسعار المواد الغذائية في المتاجر؟
قبل اندلاع حرب إيران، كانت التوقعات تميل إلى تراجع تضخم الغذاء عالمياً هذا العام. ولا تزال تكاليف السلع الغذائية دون ذروتها المسجلة في مارس 2022 بفارق كبير، إلا أن أثر الحرب بدأ يتسرب إلى مؤشرات الأسعار الرسمية. وذكرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن تكاليف السلع الغذائية العالمية صعدت في أبريل إلى أعلى مستوى في 3 سنوات، مُحذرةً من أن إغلاق هرمز قد يُفجر أزمة واسعة في أسعار الغذاء العالمية خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة.
في الولايات المتحدة، أظهرت البيانات الرسمية بالفعل ارتفاع تكاليف المدخلات لدى شركات الأغذية والمشروبات، فيما سجلت أسعار البقالة في أبريل أكبر زيادة لها في نحو 4 سنوات. ويقول اقتصاديون إن تأثير الحرب سيُضيف مزيداً من الضغوط السعرية حتى عام 2027.
أما في أوروبا، فقال "رابوبنك" إن محافظ المستهلكين ستشعر بالضربة بحلول عيد الميلاد. وفي المملكة المتحدة، يعتزم أكثر من أربعة أخماس منتجي الأغذية والمشروبات رفع الأسعار، وفق مسح صادر عن اتحاد الأغذية والمشروبات.
ما التداعيات الاقتصادية المحتملة؟
تُفاقم أسعار الغذاء المرتفعة صعوبة مهمة البنوك المركزية في احتواء موجة التضخم التي أعقبت الجائحة. كما يدفع الوضع الحكومات إلى اختبار إضافي، لا سيما في اقتصادات الأسواق الناشئة، حيث يستحوذ الغذاء على حصة أكبر من دخل الأسر مُقارنةً بالدول الأكثر تصنيعاً. وتتوقع "كابيتال إيكونوميكس" أن تضغط أسعار الأسمدة المرتفعة بقوة على الدول منخفضة الدخل، فيما قد يصبح الأمن الغذائي أكثر هشاشة إذا ألحقت ظاهرة "إل نينيو" المناخية القوية أضراراً بالمحاصيل في مناطق من العالم.
وتدخلت حكومات، بينها الصين وروسيا، في الأسواق لتأمين كميات كافية من الأسمدة للمزارعين المحليين. وتحركت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتحديد مصادر احتياطية للأسمدة للمزارعين الأميركيين، بالتوازي مع خفض الرسوم الجمركية على المعدات الزراعية للمساعدة في تقليل تكاليفهم. ويعمل المغرب على بناء مخزونات من الحبوب تكفي 6 أشهر، بينما علق الاتحاد الأوروبي في مايو رسوم الاستيراد على بعض الأسمدة، ويدرس التخزين ضمن خطة أوسع لحماية المزارعين.
من الأكثر عرضة للخطر؟
أفادت منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" في مارس بأن الدول المُعتمدة على الواردات في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية تبقى الأكثر تعرضاً لنقص الأسمدة وارتفاع تكاليف المدخلات. وبينما يستطيع المزارعون في الدول الغنية ومتوسطة الدخل التعويل على دعم حكوماتهم، تتزايد المخاوف بشأن بعض أفقر الاقتصادات.
وحذر برنامج الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من أن كثيراً من الدول النامية تكافح لسداد ديونها، ولا تملك سوى قدرة محدودة على امتصاص صدمات سعرية جديدة. ومن المرجح أن تضغط أسعار الأسمدة المرتفعة بشدة على المزارعين محدودي الموارد، بما يُهدد بتراجع المحاصيل وزيادة تضخم أسعار الغذاء لاحقاً.
كما نبه برنامج الأغذية العالمي إلى أن ما يصل إلى 45 مليون شخص إضافي قد يواجهون جوعاً حاداً إذا لم تتوقف حرب إيران بحلول منتصف العام، ما يرفع العدد الإجمالي إلى مستوى قياسي. وأضاف البرنامج أن المُساعدات الغذائية تتعثر، وأن أي زيادة إضافية في انعدام الأمن الغذائي قد تتحول إلى كارثة لبعض أكثر دول العالم ضعفاً، وهي دول تواجه بالفعل خطر المجاعة.
هذا المحتوى من "اقتصاد الشرق مع بلومبرغ"











