إرث أوباما يخيم على جهود دمج إيران في الاقتصاد العالمي | الشرق للأخبار

على طريق المفاوضات.. "إرث أوباما" يخيم على جهود دمج إيران في الاقتصاد العالمي

time reading iconدقائق القراءة - 11
أفراد من الشرطة خلال استعدادات مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران. 3 يوليو 2026 - Reuters
أفراد من الشرطة خلال استعدادات مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران. 3 يوليو 2026 - Reuters

تراهن الولايات المتحدة على أن الحوافز الاقتصادية ورفع العقوبات قد يدفعان إيران إلى إعادة صياغة علاقتها مع واشنطن بعد عقود من العداء. لكن تجربة الاتفاق النووي المبرم في عام 2015، إلى جانب نفوذ المؤسسة الأمنية والأيديولوجية في إيران، تثير شكوكاً واسعة بشأن قدرة أي اتفاق جديد على إحداث تحول حقيقي في سياسات طهران، وفق "نيويورك تايمز". 

وبينما تنطلق الولايات المتحدة وإيران في مفاوضات معقدة للتوصل إلى اتفاق دائم للسلام، رسم مسؤولون أميركيون صورة لعلاقة مختلفة جذرياً بين الخصمين اللدودين منذ عقود.

وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، إن أمام إيران فرصة لتحقيق الازدهار الاقتصادي داخلياً والتخلص أخيراً من قبضة العقوبات، شريطة أن توافق على قيود طويلة الأمد على برنامجها النووي، وأن تعيد النظر في أهم سياساتها الخارجية والعسكرية.

وأضاف فانس، الذي كلّفه الرئيس دونالد ترمب بقيادة المفاوضات، أن التيارين البراجماتي والمتشدد داخل إيران، أصبحا أكثر اقتناعاً بأن الوقت قد حان لفتح صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية الأميركية.

لكن الولايات المتحدة سلكت طريقاً مشابهاً من قبل. ففي عام 2015، توصل الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى اتفاق مع إيران، عرض بموجبه رفع العقوبات مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني.

وتشير "نيويورك تايمز" إلى أن ذلك الاتفاق يقدم "درساً تحذيرياً" بينما تخوض الإدارة الحالية مفاوضاتها مع طهران بأهداف أكثر طموحاً. وكان مؤيدو الاتفاق يعتقدون أنه سيدفع إيران إلى التركيز على التنمية الداخلية أكثر من الأيديولوجيا، إلا أنه سرعان ما واجه مقاومة من المؤسسة الدينية والعسكرية. فقد منعت هذه الجهات انفتاح الاقتصاد الإيراني بشكل حقيقي، وشنت حملة ضد أولئك الذين جلبوا الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.

وشهدت إيران خلال العقد الماضي أحداثاً كبرى، من بينها موجات احتجاج اندلعت بسبب السخط الاقتصادي. وقد يقرر القادة الحاليون، الذين وصلوا إلى السلطة بعد اغتيال أسلافهم خلال الحرب الأخيرة، إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي مستقبلاً، ولو كان ذلك فقط للحفاظ على بقائهم في الحكم.

اتفاق 2015

في الوقت الذي كانت تُجرى فيه مفاوضات اتفاق عام 2015، كان البراجماتيون في إيران يعملون بالفعل على تعظيم الفوائد الاقتصادية المحتملة للاتفاق.

ففي عام 2014، التقى الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني، الذي انتُخب على أساس وعد برفع العقوبات عبر الدبلوماسية، في أحد فنادق مانهاتن بمجموعة من أنجح الأميركيين من أصول إيرانية يعملون في مجالات التكنولوجيا والتمويل والقانون والأعمال.

وكان عرض روحاني مغرياً في ظاهره؛ "عودوا إلى إيران، واجلبوا معكم علاقاتكم ورؤوس أموالكم الاستثمارية"، بحسب شخصين حضرا الاجتماع وطلبا عدم كشف هويتهما بسبب حساسية الموضوع.

وقال روحاني لهم إن إيران تريد أن يصل اقتصادها إلى كامل إمكاناته، وإن أبناء الجالية الإيرانية الموهوبين في الخارج يشكلون عنصراً أساسياً لتحقيق هذا الهدف.

وقال سورينا ستاري، الذي شغل منصب نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا خلال فترة رئاسة حسن روحاني، لصحيفة "نيويورك تايمز"، إنه حضر اجتماع عام 2014 في نيويورك الذي جمع روحاني مع رجال أعمال أميركيين من أصل إيراني. وأضاف أنه عقد عشرات الاجتماعات الأخرى مع علماء ورواد أعمال من أصول إيرانية خلال زياراته إلى المدينة.

وفي نهاية المطاف، فشلت محاولته لتحويل الاقتصاد الإيراني من خلال الاستفادة من العلاقات والاستثمارات الأجنبية.

فبدلًا من الترحيب الشامل، واجه كثير من الإيرانيين مزدوجي الجنسية والأجانب الذين حاولوا العمل أو زيارة إيران في السنوات التي أعقبت اتفاق عام 2015 مضايقات واعتقالات على يد الأجهزة الأمنية القوية في البلاد، وفق "نيويورك تايمز".

وأثبت قادة إيران، أنهم ينظرون بعين الريبة إلى تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى اقتصادهم، معتقدين أنها "قد تكون وسيلة لاختراق البلاد من الخارج".

وقال روحاني في تصريحات علنية في عام 2023، إن أحد الإيرانيين مزدوجي الجنسية الذي حضر أحد لقاءاته في نيويورك في عام 2014 قرر العودة إلى إيران، لكنه اعتُقل في المطار فور وصوله.

أما محمد جواد ظريف، الذي شغل منصب وزير الخارجية خلال رئاسة روحاني، فقال لـ"نيويورك تايمز"، إن سياسة إيران كانت دائماً تشجع العلماء والخبراء الإيرانيين على العودة إلى البلاد، لكنه لم يتطرق إلى حملة الاعتقالات التي طالت بعض العائدين.

إغراء المؤسسة الأمنية

وبقيت إيران معزولة عن العالم، وسرعان ما فقد الإيرانيون ثقتهم برئيسهم. ثم جاء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال ولايته الأولى في عام 2018، بالانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على إيران، ليقضي بصورة أكبر على فرص اندماج إيران في الاقتصاد العالمي.

والآن، وبعد مرور عقد من الزمن، تراهن إدارة ترمب على أن المؤسسة الأمنية الإيرانية يمكن إغراؤها بتخفيف سياساتها التصادمية مقابل فرصة الاندماج في الاقتصاد العالمي.

وكما قال جي دي فانس في مقابلة مع "نيويورك تايمز" الشهر الماضي، فإن قادة إيران، على اختلاف توجهاتهم السياسية، بدأوا يقتنعون بأن"47 عاماً من السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة كانت خطأً".

وتنص "مذكرة التفاهم" التي وقعتها إيران والولايات المتحدة في يونيو الماضي على تخصيص 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، إضافة إلى رفع جميع العقوبات، مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني.

ومنذ توقيع المذكرة، أكد فانس أن إيران لن تحصل على أهم الحوافز الاقتصادية ما لم تتخلَّ أيضاً عن ما يقرب من خمسة عقود من العداء الأيديولوجي للولايات المتحدة، وعن دعمها للجماعات المسلحة في الشرق الأوسط.

شبكات معقدة

وقال فانس: "إذا لم تتغير إيران، فلن تحصل على أي من المكاسب الاقتصادية التي يتضمنها الاتفاق". غير أن مثل هذا التحول الجذري لا ينسجم مع طبيعة الحكومة الإيرانية وسلوكها الذي تشكل على مدى عقود، بحسب "نيويورك تايمز". فالأيديولوجيا التي جاءت بـ"الجمهورية الإسلامية" إلى السلطة في عام 1979 ما زالت قائمة على معاداة الولايات المتحدة. كما أن أبرز القوى الاقتصادية في إيران هي الحرس الثوري الإيراني والشركات شبه الحكومية الخاضعة لسيطرة المؤسسة الدينية.

ويرى اقتصاديون وخبراء، أن مصالح هذه الجهات ستتعرض للخطر إذا انفتح الاقتصاد الإيراني بصورة حقيقية، لأن ذلك سيجلب استثمارات مستقلة من الخارج قد تُضعف سيطرتها على القطاعات الاقتصادية الرئيسية.

وقال ريتشارد نيوفيو، المسؤول السابق في إدارتي أوباما وبايدن، والذي كان كبير خبراء العقوبات في فريق التفاوض الأميركي الذي أبرم اتفاق عام 2015: "لا أصدق هذا الطرح إطلاقاً. أستطيع أن أتفهم رغبتهم في توسيع التجارة الدولية وما شابه، لكن ذلك لا يعني أنهم يريدون تغيير النظام".

وبعد أسابيع فقط من إتمام الدبلوماسيين الإيرانيين والأميركيين الاتفاق النووي في يوليو 2015، ألقى المرشد الأعلى الإيراني آنذاك، علي خامنئي، سلسلة من الخطابات حذر فيها من "التغلغل" الأجنبي داخل إيران.

وقال في أحد تلك الخطابات: "لن نسمح بالتغلغل الاقتصادي الأميركي في بلادنا، ولا بالتغلغل السياسي، ولا بالحضور السياسي الأميركي، ولا بالتغلغل الثقافي".

وخلال السنوات التي أعقبت الاتفاق النووي في عام 2015، شنت الأجهزة الأمنية الإيرانية موجة واسعة من الاعتقالات استهدفت إيرانيين لديهم علاقات بالغرب، إضافة إلى مواطنين أجانب.

وكان بعض هؤلاء قد دخلوا إيران لاستكشاف فرص استثمارية، بينما جاء آخرون لزيارة عائلاتهم أو لإجراء أبحاث علمية أو لأسباب شخصية. وكثيراً ما وُجهت إليهم اتهامات بالتجسس دون أدلة واضحة.

وأدت هذه الاعتقالات إلى إحجام كثير من المستثمرين والأجانب عن السفر إلى إيران، خشية أن يتعرضوا للمصير نفسه.

وقال مراد طهباز، وهو ناشط بيئي أميركي من أصل إيراني اعتقلته السلطات الإيرانية في عام 2018، وأُطلق سراحه عام 2023 ضمن صفقة تبادل مع الولايات المتحدة: "لا أرى أي احتمال، ولو ضئيلاً، لأن تصبح إيران خلال السنوات المقبلة مكاناً يشجع الناس على العودة والاستثمار فيها. ومن الصعب جداً بالنسبة لي أن أتخيل أن الأمور قد تتغير بهذه الدرجة".

وقال جمال عبدي، رئيس المجلس الوطني الإيراني الأميركي، وهو منظمة تدافع عن رفع العقوبات عن إيران، إنه رغم أن تصريحات جي دي فانس بشأن بداية حقبة جديدة في العلاقات بين البلدين قد تكون مبسطة أكثر من اللازم، فإن هناك أسباباً تدعو إلى قدر من التفاؤل بأن هذه اللحظة قد تشكل نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الإيرانية وفي دور البلدين في منطقة الشرق الأوسط.

جيل من "الوطنية البراجماتية"

لكنه أقر بوجود عقبات كبيرة ما زالت قائمة. "فالحرب عززت قناعة إيران بأن دعمها للجماعات المسلحة في المنطقة يشكل عنصراً أساسياً لأمنها القومي، كما أن انعدام الثقة تجاه المسؤولين الأميركيين لا يزال عميقاً، خاصة بعدما تعطلت مفاوضات سابقة بسبب اندلاع هجمات عسكرية" في يونيو 2025.

ومع ذلك، أضاف عبدي: "هناك بعض المؤشرات على ظهور جيل جديد داخل القيادة الإيرانية والأجهزة الأمنية، جيل أقل ارتباطاً بالمشروعات الأيديولوجية للدولة وأكثر اهتماماً بمتطلبات الحكم والإدارة، ويمكن وصف توجهه بأنه نوع من (الوطنية البراجماتية)".

أما المرشد الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي، فلم يمضِ على توليه المنصب سوى أشهر قليلة. ولا يزال من المبكر معرفة الكيفية التي سيتعامل بها مع المشكلات العميقة التي تواجهها إيران، رغم أنه كان لاعباً رئيسياً في إدارة شؤون مكتب والده لسنوات، وفق "نيويورك تايمز".

وحتى الآن، لم يُظهر أي ميل واضح لتبني رؤية مختلفة جذرياً تجاه الولايات المتحدة.

وقال المحلل السياسي محمد حسين خوشوقت، وهو أحد أقارب عائلة خامنئي بالمصاهرة، في مقابلة مع وسيلة إعلام إصلاحية داخل إيران، إن مجتبى خامنئي سيواصل النهج الذي سار عليه والده، لكن في ظل الظروف الجديدة التي فرضتها الحرب، قد يختلف أسلوبه في إدارة البلاد.

وأضاف: "لقد تغيرت الظروف، ومن الطبيعي أن تقتضي الحكمة أن يتصرف القائد الحالي بما يتناسب مع هذه الظروف الجديدة".

تصنيفات

قصص قد تهمك