
دافع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عن "مذكرة التفاهم" التي وقعها مع إيران، مساء الأربعاء، بقصر فرساي في باريس، مشيراً إلى أنه "لم يكن يريد أن يُشبه بالرئيس الأميركي السابق هربرت هوفر"، الذي كان في السلطة خلال انهيار سوق الأسهم في عام 1929، وهو الانهيار الذي قاد إلى "الكساد الكبير".
وقال ترمب للصحافيين في فندق "هوتيل رويال"، حيث اجتمع مع قادة مجموعة السبع: "كان هو الشخص الذي لم أرغب أبداً في أن أكون مثله. لم أكن أريد أن أشهد كارثة اقتصادية".
واعتبرت "وول ستريت جورنال" هذا التصريح "إقراراً" من ترمب بأن قراراته تأثرت جزئياً بردود الفعل العالمية على الصراع الذي استمر ثلاثة أشهر، وأدى إلى ارتفاع تكاليف الطاقة خلال عام يشهد انتخابات التجديد النصفي، في نوفمبر المقبل.
كما انقلب بعض حلفائه عليه، معتبرين أنه تخلى عن سياسات "أميركا أولاً" التي خاض حملته الانتخابية على أساسها.
وعندما سُئل الشهر الماضي عن مدى تأثير الأوضاع المالية للأميركيين في قراره التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، أجاب قائلاً: "ليس ولو بنسبة ضئيلة".
وأضاف في ذلك الوقت، في تصريحات أثارت انتقادات من جمهوريين: "أنا لا أفكر في الوضع المالي للأميركيين. لا أفكر في أي شخص. أفكر في أمر واحد فقط، لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. هذا كل شيء".
تفاصيل الاتفاق الأميركي الإيراني
وبينما كان ترمب يتحدث الأربعاء، كان مسؤولون أميركيون كبار يطالعون الصحافيين على نص الاتفاق، في محاولة للرد على ما وصفوه بأنه تفسيرات غير دقيقة لبنوده.
ورغم الإعلان عن الاتفاق، الأحد، فإنه لم يُنشر للرأي العام بناءً على طلب إيراني، وفق ما قاله مسؤولون أميركيون لـ"وول ستريت جورنال".
وتلزم مذكرة التفاهم طهران بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة بعد أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، ما يوفر للنظام الإيراني إيرادات يحتاجها بشدة.
كما تعهدت إيران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، وهو موقف سبق أن أعلنته مراراً، إلا أن كيفية تنفيذ هذا التعهد ستكون محور مفاوضات مع الولايات المتحدة خلال الشهرين المقبلين.
وفي المقابل، قد تحصل إيران على تخفيف مالي كبير؛ إذا التزمت بالمطالب الأميركية المتعلقة بتقييد برنامجها النووي. ويبدأ ذلك بإعفاءات واسعة وفورية من العقوبات تسمح لطهران ببيع النفط والاستفادة من عائداته، وقد يتطور لاحقاً إلى رفع كامل للعقوبات والاستفادة من صندوق بقيمة 300 مليار دولار مخصص لتمويل إعادة الإعمار بعد الحرب.
وشدد المسؤولون الأميركيون، على أن خطة إعادة الإعمار لن تتطلب تمويلاً أميركياً، إلا أن النص الذي تلاه مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية ينص على أن واشنطن ستمنح التراخيص والإعفاءات والموافقات اللازمة لإتمام المعاملات المالية ذات الصلة.
وينص الاتفاق أيضاً على إفراج الولايات المتحدة عن الأموال الإيرانية المجمدة فور تنفيذ "مذكرة التفاهم"، على أن تُحدد آليات الإفراج عنها خلال المفاوضات المقبلة.
وقال مسؤولون إن إيران طالبت بالحصول على تلك الأموال بمجرد التوقيع، لكن طهران لن تتلقى أي أموال ما لم تتخذ خطوات تعتبرها واشنطن دليلاً على "حسن السلوك".
ودافع ترمب، الأربعاء، عن آلية الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، قائلاً: "لقد استحوذنا على كثير من أموالهم، لكنها ليست أموالنا. وأعتقد أنه سيأتي وقت يتعين علينا فيه إعادتها".
وفي المدى القصير، يركز الاتفاق بصورة أساسية على إعادة فتح مضيق هرمز، حيث يشير النص إلى أنه "لن تُفرض أي رسوم لمدة 60 يوماً فقط" على السفن التجارية، مقابل رفع الولايات المتحدة الحصار والسماح لإيران باستئناف بيع النفط.
أما القضايا الأكثر تعقيداً والحوافز المالية الأكبر، فسيتم ترحيلها إلى مرحلة ثانية من المفاوضات تبدأ بعد التوقيع الرسمي.
رهان ترمب
ويمثل الاتفاق مخاطرة كبيرة لترمب، إذ يراهن على أن النظام الإيراني سيختار التنمية الاقتصادية بدلاً من تطوير القدرات النووية، وأنه سيوافق في نهاية المطاف على تفكيك برنامجه النووي.
وأكد مسؤولون أميركيون، أن "مذكرة التفاهم" لا تشكل اتفاقاً نهائياً، وأنه بإمكان أي من الطرفين الانسحاب قبل التوصل إلى اتفاق شامل.
وأضافوا أن إدارة ترمب دخلت المفاوضات وهي تتوقع احتمال لجوء إيران إلى الخداع أو المراوغة، وأن أي اتفاق مستقبلي سيتطلب آليات رقابة وتنفيذ تضمن التزامها بتعهداتها، وفق "وول ستريت جورنال".
وهدد ترمب بشن هجمات جديدة على إيران، إذا لم تلتزم ببنود الاتفاق، قائلاً: "إذا لم يلتزموا به، فمن المرجح أن نعود إلى قصفهم حتى يلتزموا. من المدهش ما الذي يمكن أن تفعله القنابل".
وفي وقت لاحق من الأربعاء، قال ترمب للصحافيين، إنه لا يعارض احتفاظ إيران بجزء من ترسانتها من الصواريخ الباليستية. وأضاف: "أقول إنه إذا كانت دول أخرى تمتلكها، فمن غير العادل قليلاً ألا تمتلك إيران بعضها".
واعتبر أن الحصول على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب "أقل أهمية" من ضمان عدم تمكن طهران من امتلاك سلاح نووي.
كما أشار إلى وجود مرونة في مهلة الـ60 يوماً المخصصة للمفاوضات بشأن الاتفاق النهائي، مؤكداً أنه لا ينظر إليها بوصفها موعداً نهائياً صارماً.
ويُنظر إلى الاتفاق المؤقت على نطاق واسع باعتباره "أكبر رهان في السياسة الخارجية" خلال الولاية الثانية لترمب.
وقد لقي الاتفاق ترحيباً من قادة مجموعة السبع المجتمعين في فرنسا. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي استضاف القمة: "أنا أؤيده وأعتقد أنه ضروري". لكنه أقر في الوقت نفسه بأنه لا يحل جميع المشكلات، بما في ذلك الملف النووي، وأن خطر انهياره لا يزال قائماً.
وأشار ماكرون إلى مخاوفه من احتمال عودة القتال في لبنان بين إسرائيل و"حزب الله"، أو من إصرار طهران على فرض رسوم عبور في المضيق بدلاً من السماح بحرية حركة التجارة.
تحديات داخلية أمام ترمب
وعاد ترمب إلى الولايات المتحدة، مساء الأربعاء، بعد مأدبة عشاء رسمية أقيمت في قصر فرساي، المقر التاريخي لملوك فرنسا خارج باريس.
وفي واشنطن، سيواجه معارضة من المتشددين تجاه إيران، الذين يرون أن الرئيس قدم تنازلات تفوق المكاسب التي حصل عليها، معتبرين أنه دفع "ثمناً باهظاً" لإعادة حركة الملاحة التجارية إلى مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً قبل اندلاع الحرب، بحسب الصحيفة.
وفاجأ ترمب بعض مساعديه، مساء الأربعاء، بتوقيع الاتفاق الإيراني للمرة الثانية، ما أربك الترتيبات الخاصة بمراسم توقيع كانت مقررة في وقت لاحق من الأسبوع. وقال: "لقد وقّعته في فرساي. وقّعته للتو".
ووقّع ترمب مذكرة التفاهم خلال مأدبة عشاء في قصر فرساي، بعدما كان قد وضع توقيعه الإلكتروني على الوثيقة المؤلفة من 14 بنداً، الأحد الماضي.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الأربعاء، إن "مذكرة التفاهم" أصبحت الآن موقعة من قبل الرئيسين الأميركي والإيراني، في المقابل، قال مسؤول أميركي إنه لن تُقام مراسم توقيع رسمية، لكن المفاوضات النووية بين الجانبين ستُعقد في مدينة لوسيرن السويسرية من الجمعة إلى الأحد.
وسيشارك نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، إلى جانب المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في المفاوضات مع نظرائهم الإيرانيين على مدى ثلاثة أيام. كما سيحضر وسطاء من باكستان وقطر.











