
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب صياغة طبيعة حلف شمال الأطلسي "الناتو" الذي تأسس قبل عقود على أساس "القيم الديمقراطية المشتركة"، ليصبح إطاراً ينسجم بدرجة أكبر مع مقاربته القائمة على المصالح الاقتصادية والصفقات، مع تركيز متزايد على رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي وشراء الأسلحة الأميركية، وفق مجلة "بوليتيكو".
وأشارت المجلة إلى أن ترمب نجح في دفع الدول الأعضاء في الناتو إلى إلى تسريع وتيرة الإنفاق الدفاعي، وزيادة استثماراتها في شراء الأسلحة الأميركية المخصصة لدعم أوكرانيا، ليصبح الحلف بمثابة "آلة لجني الأموال".
وخلال القمة السنوية لقادة الحلف المقررة هذا الأسبوع من المتوقع أن يركز الرئيس الأميركي مجدداً على حجم الإنفاق الأوروبي على المعدات العسكرية الأميركية.
وترى "بوليتيكو" أن هذا التحول، الذي يعكس نهج الإدارة القائم بصورة متزايدة على منطق "المقايضة" في التعامل مع بعض أقرب حلفاء الولايات المتحدة، ينطوي على مخاطر تهميش النقاشات المتعلقة بتوسيع عضوية الحلف أو الدفاع عن جناحه الشرقي في مواجهة روسيا. كما أدى إلى توتير الروابط التي حافظت يوماً على تماسك الحلف، ليصبح كياناً تشكله المصالح الوطنية أكثر مما تجمعه المبادئ والقيم المشتركة.
ونقلت المجلة عن دبلوماسي أوروبي قوله: "لا تزال أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في الوقت الحالي، ولذلك ليس من مصلحتنا الدخول في صدامات معها. لكننا بحاجة أيضاً إلى أن نجعل الولايات المتحدة تدرك، بحزم، أن أوروبا لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أمراً مفروغاً منه،، وأن لدينا مصالحنا أيضاً".
البُعد الاقتصادي يتصدر قمة أنقرة
وشدد السفير الأميركي لدى الناتو، مات ويتاكر، على البُعد الاقتصادي لقمة الحلف، التي تستضيفها أنقرة يومي 7 و8 يوليو الجاري.
وقال ويتاكر للصحافيين، قبل أيام من انعقاد المنتدى: "ترحب واشنطن بالجهود الأوروبية الرامية إلى زيادة الإنتاج الدفاعي وتقليص القيود التنظيمية. لكننا بالتأكيد لا ندعم النزعة الحمائية التي تتضمنها في كثير من الأحيان المبادرات الدفاعية الأوروبية. وهذه إحدى القضايا التي قد تُطرح خلال القمة، ونتوقع أن نتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأنها".
وأشاد ويتاكر بالتزام الحلفاء بزيادة الإنفاق الدفاعي بنحو 120 مليار دولار خلال العام الماضي، مشيراً إلى أن نصف هذا الإنفاق ذهب إلى شراء معدات أميركية الصنع، ووصف ذلك بأنه "بداية جيدة".
وأضافت "بوليتيكو" أن هذا الاستثمار يُعد أكبر بكثير مما أُعلن خلال قمة العام الماضي، عندما أشاد الحلفاء باستثمارات إضافية بلغت 90 مليار دولار. وجاء ذلك بعد مطالبة ترمب للدول الأعضاء برفع الإنفاق الدفاعي من 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ملوحاً بحرمانها من الدعم الأميركي إذا لم تلتزم بذلك.
وهدد ترمب مراراً بالانسحاب من الحلف إذا لم تفِ الدول بالتزاماتها، كما ربط وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث بين زيادة الإنفاق الدفاعي وتسريع مبيعات الأسلحة الأميركية إلى الحلفاء.
منطق الصفقات
وأشارت "بوليتيكو" إلى أن أولوية الأعمال التجارية حضرت، بدرجات متفاوتة، في القمم السنوية التي شارك فيها ترمب خلال ولايتيه الرئاسيتين، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً مع طرحه فكرة السيطرة على جرينلاند، وتذبذب موقفه من دعم أوكرانيا، وفرضه رسوماً جمركية مرتفعة على أعضاء "الناتو".
وأضافت المجلة أن هذا النهج يستند أيضاً إلى سياسة ترمب القائمة على مطالبة العالم بشراء المنتجات الأميركية، من دون تقديم الكثير في المقابل من الاتفاقيات التجارية المتبادلة.
أوروبا تساير النهج الأميركي
ووفقاً لما أوردته "بوليتيكو"، فإن أوروبا تساير هذا النهج، على الأقل في الوقت الراهن. فخلال زيارة إلى واشنطن الشهر الماضي، قال الأمين العام لـ"الناتو" مارك روته، إن الاستثمارات الأوروبية تدعم 110 آلاف وظيفة أميركية من خلال طلبيات لشراء أسلحة أميركية بقيمة 300 مليار دولار.
كما أعلنت المملكة المتحدة وألمانيا، قبل أيام من القمة، خططاً لإنتاج أسلحة أميركية داخل أراضيهما بموجب تراخيص.
وقال دبلوماسي أوروبي ثان، طلب عدم الكشف عن هويته: "يريد الأمين العام للحلف أن يحوّل القمة إلى فعالية لإبرام الصفقات، تعلن خلالها الشركات عن شراكات جديدة. وإذا رأى ترمب أن فعالية الصناعات الدفاعية إيجابية، فقد ينظر أيضاً إلى قمة أنقرة، وربما إلى الناتو نفسه، باعتباره أمراً إيجابياً".
صفقات بمليارات الدولارات
وأقر مسؤولون أوروبيون بأنهم لن يتمكنوا من التوصل إلى نتائج في أنقرة تضاهي تلك التي تحققت في قمة العام الماضي في لاهاي. لكنهم أشاروا إلى خطط للإعلان عن صفقات بمليارات الدولارات، إلى جانب منتدى للصناعات الدفاعية يُعقد على هامش القمة.
وقال دبلوماسي أوروبي ثالث: "نريد أن ندخل القمة، ونقدم تعهداتنا بشأن الإنفاق والأمن، ثم نغادر قبل أن تخرج الأمور عن مسارها. نحن بحاجة إلى ذلك من أجل أمننا، لكن من الواضح أن هناك عنصراً آخر أيضاً".
ولم يرد البيت الأبيض ولا وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون) على طلبات المجلة الحصول على تعليق. لكن ترمب انتقد، الخميس، دولاً مثل ألمانيا لعدم مساهمتها مالياً بالشكل الكافي، وكتب عبر منصة "تروث سوشيال": "تنفق الولايات المتحدة على الناتو أكثر من أي دولة أخرى، وبفارق كبير، لحماية هذه الدول، من دون أن تحصل على أي فائدة مقابل ذلك".
مخاوف أوروبية متزايدة
وذكرت "بوليتيكو" أن أعضاء "الناتو" تعرّضوا لضغوط متزايدة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما فاجأهم ترمب بإعلانات عن سحب قوات أميركية من ألمانيا، وإلغاء عمليات نشر قوات في بولندا.
ولا تزال أوروبا تشعر بقلق إزاء الحرب في أوكرانيا والتحركات الروسية باتجاه الجناح الشرقي للحلف، بينما يناقش القادة كيفية دفاع القارة عن نفسها في ظل تراجع استعداد الولايات المتحدة للتضحية بالأرواح والأموال دفاعاً عن أوروبا.
ومن المتوقع أن تلغي وزارة الحرب الأميركية خطة لإرسال صواريخ "توماهوك" Tomahawk إلى ألمانيا، وهو ما يرجع جزئياً إلى مخاوف من أن تنظر روسيا إلى الخطوة باعتبارها تصعيداً، ما يترك برلين أمام خيارات محدودة لتلبية احتياجاتها المُلِحة من الأسلحة بعيدة المدى.
إعادة هيكلة لدعم صادرات الصناعات الدفاعية
كما نقل البنتاجون هذا العام مكتبين كانا يتوليان تقليدياً إدارة مبيعات الأسلحة الخارجية إلى قطاع المشتريات والاستدامة. وتأتي هذه الخطوة في إطار عملية إعادة هيكلة أوسع تهدف إلى إعطاء الأولوية لصادرات الصناعات الدفاعية وتشجيع الدول على شراء المعدات الأميركية.
وأضافت "بوليتيكو" أن الإدارة الأميركية أوضحت خلال الأسابيع الأخيرة بصورة أكبر رغبتها في إعادة تشكيل الحلف. فقد وجّه هيجسيث انتقادات حادة إلى وزراء دفاع "الناتو" خلال اجتماعهم في بروكسل الشهر الماضي، محذّراً من أن الولايات المتحدة تعيد النظر في وجودها العسكري في القارة. كما أعلن أن وزارة الحرب بدأت مراجعة للقوات الأميركية المتمركزة هناك.
ووصف هيجسيث "الناتو" بأنه ليس أكثر من "نمر من ورق"، يحافظ على "اعتماد متبادل غير صحي" على القوات الأميركية. كما انتقد الحلفاء لعدم مساعدة الولايات المتحدة خلال الحرب مع إيران، رغم أنهم لم يُبلغوا بها مسبقاً، ولم يُطلب منهم تقديم المساعدة إلا بعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم.
وقال إن الحلف "يحتاج إلى العودة ليكون تحالفاً عسكرياً صارماً وحقيقياً"، يمتلك "قدرات عسكرية فعلية قادرة على الردع داخل القارة، ويتولى قيادة الدفاع التقليدي عن أوروبا".











