
تكثف السلطات الروسية جهودها لدفع الرجال في سن القتال للالتحاق بالخدمة العسكرية، بهدف تعزيز صفوف الجيش التي تشهد تراجعاً، فيما تتباطأ وتيرة التجنيد الطوعي وتتراجع قدرة موسكو على الحفاظ على زمام المبادرة على جبهات القتال في أوكرانيا، بحسب "وول ستريت جورنال".
وفي المدن والبلدات الروسية الصغيرة، لجأ بعض مسؤولي التجنيد العسكري إلى احتجاز رجال في الشوارع أو أمام أماكن عملهم أو بحجة إجراء عمليات تدقيق روتينية للوثائق، وفقاً لما أفاد به محامون ونشطاء حقوقيون وشهود عيان للصحيفة.
ويقول هؤلاء إن الرجال، بمجرد وصولهم إلى مكاتب التجنيد، قد يتعرضون للتهديد أو الضرب حتى الموافقة على الانضمام إلى حرب أوكرانيا.
جولة تعبئة جديدة
وقالت "وول ستريت جورنال"، إن حملة الضغوط التي تمارسها السلطات الروسية تشبه جهود التعبئة الجزئية التي أعلنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خريف عام 2022، عندما بدأت مواقع القوات الروسية على خطوط المواجهة تتراجع بسبب نقص الأفراد. كما أثارت تكهنات بين محللين روس وأوساط سياسية بشأن ما إذا كانت تمهد لجولة جديدة من التعبئة العسكرية.
وأضافت أن السلطات الروسية عرضت مبالغ مالية ضخمة "لدرجة تغير حياة أصحابها"، إذ تتجاوز في كثير من الحالات راتب عام كامل، لمن يوافقون على القتال. لكن عمليات التجنيد أصبحت أكثر صعوبة في ظل تزايد الروايات عن سوء المعاملة داخل الجيش الروسي، وتنامي القدرات القتالية الأوكرانية التي جعلت متوسط بقاء الجنود على خطوط المواجهة لا يتجاوز "دقائق أو أياماً أو أسابيع".
وقال أرتيوم كليجا، وهو محامٍ يساعد أشخاصاً يقول إنهم أُجبروا على الالتحاق بالخدمة العسكرية، للصحيفة: "تحولت السلطات إلى أسلوب يعتمد على العنف، إذ تعمد إلى احتجاز الرجال وإرسالهم مباشرة إلى الخدمة".
ووصفت "وول ستريت جورنال" هذه الإجراءات، بأنها صورة موازية لعمليات التجنيد القسري التي نفذتها أوكرانيا في مواجهة نقصها هي الأخرى في الأفراد.
تجنيد "شبه" قسري
ورغم أن التجنيد في روسيا، لا يزال رسمياً قائماً على التطوع، فإن مسؤولين في أجهزة إنفاذ القانون يتعاونون أحياناً مع مسؤولي التجنيد لاستدراج الرجال، ثم استخدام العنف أو التهديد بالاعتقال إذا رفضوا الرضوخ، بحسب الأشخاص الذين تحدثوا عن هذه الممارسات.
وفي منطقة بينزا جنوب غربي روسيا، حيث كثف مسؤولو التجنيد جهودهم، قال أحد السكان المحليين، يدعى فلاديسلاف ليونيدوف، إنه عثر على أحد معارفه داخل مكتب للتجنيد العسكري بعدما اختفى لساعات عدة خلال شهر مايو.
وأوضح أن الرجل استُدعي إلى مركز الشرطة المحلي بحجة التحقق من بياناته الشخصية، لكنه فوجئ لدى وصوله بوجود اثنين من مسؤولي التجنيد الذين اقتادوه إلى مكتب التجنيد، حيث تعرض للضرب على الكبد والكليتين. وأضاف ليونيدوف أنه تمكن من التدخل وإطلاق سراحه فقط أثناء نقله لإجراء الفحص الطبي.
وقال: "لو وصلنا بعد ساعتين فقط، لكان قد نُقل بالفعل"، مضيفاً: "إنهم يتحركون بسرعة كبيرة".
وأثارت المداهمات التي تنفذها قوات الأمن أو مسؤولو التجنيد في بينزا اهتمام السكان، الذين نشروا مقاطع فيديو عبر الإنترنت احتجاجاً على هذه الممارسات.
ويُظهر أحد المقاطع المصورة أمام مكتب للتجنيد العسكري رجالاً بملابس مدنية داخل شاحنة عسكرية، بينما تحاصرها نساء يبكين.
وتقول إحدى النساء وهي تجهش بالبكاء: "لقد ضربوكم... وأجبروكم".
وفي الوقت الذي دأبت فيه السلطات الروسية لسنوات على انتقاد عمليات التجنيد القسري في أوكرانيا، سعت إلى التقليل من أهمية هذه الحوادث، ولوحت باتخاذ إجراءات صارمة بحق من يتداولها.
وقال أندريه سوركوف، رئيس مكتب التجنيد في بينزا، خلال إحاطة حكومية، إن أي مداهمات في المنطقة تستهدف فقط الأشخاص الذين يتهربون من الخدمة العسكرية.
وقالت الصحيفة، إن إدارة وزارة الداخلية في بينزا، نفت أن تهدف تلك الحملات إلى إرسال رجال إلى الجبهة، مهددة باتخاذ إجراءات قانونية ضد من ينشرون أو يروجون لهذه المقاطع.
وجاء في بيان للوزارة: "لا علاقة لهذه المقاطع المصورة بإرسال أشخاص إلى منطقة العملية العسكرية الخاصة"، مستخدمة التسمية الرسمية التي تعتمدها موسكو للحرب في أوكرانيا. وأضاف البيان: "سيواجه ناشرو المعلومات الكاذبة عواقب قانونية وفقاً لقوانين الاتحاد الروسي".
وقال المدون ستانيسلاف موروزوف، الذي عمل على إعداد فيلم وثائقي لتسليط الضوء على القضية، إنه يخضع لتحقيق من جانب جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. وأضاف: "لم يمنعوني من الاستمرار، لكنهم أوضحوا أن من مصلحتي ألا أفعل".
وأشار إلى أنه تحدث مع عشرات من أقارب المجندين، وأن معظمهم وافقوا على توقيع عقود الالتحاق بالجيش بعدما هددهم أفراد من أجهزة إنفاذ القانون بزرع مخدرات بحوزتهم واعتقالهم فوراً.
مكافآت مالية
ويعود جزء من هذه الضغوط، إلى برامج إقليمية مطبقة في مناطق روسية مختلفة تمنح أطرافاً ثالثة مكافآت مالية، تبلغ في معظم الحالات 100 ألف روبل، أي نحو 1300 دولار، مقابل إحضار شخص إلى مكتب التجنيد.
وقال موروزوف إن إعلانات معلقة في المباني السكنية في بينزا تعرض العبارة التالية: "أحضر صديقاً إلى مركز التجنيد واحصل على 100 ألف روبل".
وتوجد حملات مماثلة في مناطق أخرى مثل تتارستان، حيث يُنتج القسم الأكبر من الطائرات المسيرة الروسية، إضافة إلى منطقتي أمور وياروسلافل، ومدن كالوجا وفورونيج وأرخانجيلسك. كما أكد كليجا ونشطاء حقوقيون ارتفاع عدد حالات التجنيد القسري.
وقال محللون إن هذه الإجراءات تحظى على الأرجح بموافقة الكرملين ووزارة الدفاع، لكنها تُطبق بدرجات متفاوتة من منطقة إلى أخرى.
ويقول هؤلاء إن هذه الأساليب ترتبط في المقام الأول بتسارع الخسائر الروسية على الجبهة، والتي تُقدر حالياً بما بين 30 ألفاً و40 ألف قتيل وجريح شهرياً.
وقال جريجوري سفيردلين، مؤسس منظمة "جيت لوست" Get Lost المناهضة للحرب، التي تساعد الروس على تجنب الخدمة العسكرية: "يجب بطريقة ما إدخال العدد نفسه تقريباً إلى الخدمة، وكلما تراجع عدد الراغبين في توقيع العقود، ازداد حجم الضغوط المستخدمة".
ويقول مسؤولون أميركيون إن هذه الجهود ربما أسهمت في زيادة أعداد القوات على الجبهة، لكنها على الأرجح ليست كافية لتحقيق إنجازات كبيرة.
استعدادات محتملة لـ"تعبئة جديدة"
وأضافوا أن الكرملين لا يزال يدرس احتمال إطلاق جولة جديدة من "التعبئة الإلزامية"، قد تدفع بآلاف إضافية من الجنود إلى خطوط القتال، مرجحين أن يأتي ذلك بعد الانتخابات البرلمانية الروسية المقررة في 20 سبتمبر.
وزادت المشكلات الاقتصادية التي تواجهها روسيا، إلى جانب تنامي القدرات العسكرية الأوكرانية، من إلحاح النقاش بشأن التعبئة. وقال رسلان بوخوف، مدير مركز تحليل الاستراتيجيات والتقنيات، وهو مركز أبحاث دفاعي مقره موسكو، إنه إذا أصر بوتين على هدفه المتمثل في السيطرة على كامل إقليم دونباس شرق أوكرانيا، "فقد لا يكون أمامه خيار آخر سوى إعلان تعبئة جديدة".
وفي حين استهدفت الجولة الأولى من التعبئة استدعاء جنود الاحتياط والأشخاص ذوي الخبرة العسكرية، فإن أي جولة جديدة ستشمل على الأرجح رجالاً يفتقرون إلى الخبرة أو الرغبة في القتال، وفق "وول ستريت جورنال".
ويرى مراقبون أن المخاطر السياسية المرتبطة بمثل هذه الخطوة قد تتجاوز المكاسب العسكرية المحتملة على الجبهة، فيما يقول بعض الروس إنهم سيقاومون أي تعبئة جديدة بالقوة.
وقال ديميتري روجين، وهو ضابط احتياط روسي يبلغ من العمر 53 عاماً ويُعد من بين الأشخاص الذين قد تشملهم أي تعبئة جديدة: "بمجرد أن أحصل على سلاح، سأطلق النار على الذين قاموا بتعبئتي".











