
دخلت حرب إيران مرحلة جديدة مع إعلان الولايات المتحدة "يوم الإنزال الاقتصادي"، في إطار حملة تستهدف فرض ما تصفه واشنطن بـ"أقسى العقوبات في التاريخ" على طهران، وسط رهان أميركي على تعاون الصين لإنجاحها، فيما حذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب من استمرار التعاون اقتصادياً مع الإيرانيين.
وخلال مقابلة مع محاميه السابق مايكل كوهين على محطة WABC الإذاعية، دافع ترمب عن قراره شن حرب إيران، قائلاً إنه "كان سيتخذ القرار نفسه 100 مرة إذا أتيحت له الفرصة". ووصف ترمب إيران بأنها تعاني ضعفاً عسكرياً وضغوطاً اقتصادية، مؤكداً ضرورة استمرار الضغط الأميركي عليها.
وقال ترمب: "نحن نحقق نتائج جيدة جداً مع إيران، البحرية (الإيرانية) انتهت، وقواتها الجوية انتهت، والقيادة انتهت". وأضاف أن فقدان قادة إيرانيين أدى أيضاً إلى تعقيد المسار الدبلوماسي، وزعم أن "لا أحد يعرف من يقود".
واعتبر ترمب أن القضية الأساسية تتمثل في منع إيران من تطوير سلاح نووي، مشدداً على أنه "لا يمكن لإيران أبداً امتلاك سلاح نووي. الأمر بسيط جداً".
ومع ذلك، أقر الرئيس الأميركي بأن الحرب المستمرة قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وأسعار البنزين في الولايات المتحدة، لكنه اعتبر أن تحمل هذه التداعيات أمر ضروري.
وقال ترمب: "لقد قضينا عليهم عسكرياً"، مع إقراره بأن إيران لا تزال تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة.
وتشير استطلاعات رأي متعددة، إلى أن غالبية الأميركيين يعارضون حرب إيران، التي دخلت شهرها الخامس وأحدثت اضطرابات واسعة في قطاع الطاقة العالمي.
"مواكبة" الحرب الاقتصادية
وتضغط الولايات المتحدة على حلفائها والصين للانضمام إلى حملة الضغوط الاقتصادية ضد إيران.
وحذر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، من أن الدول التي لا تدعم هذه الحملة، التي من المقرر الكشف عن تفاصيلها الاثنين المقبل، ستُعتبر "ضد واشنطن".
وفي مقابلة مع شبكة CNBC، دعا بيسنت الصين أيضاً إلى "مواكبة" الجهود الأميركية إذا كانت تريد "رؤية إعادة فتح مضيق هرمز وانخفاض أسعار الطاقة".
وقال: "سينجح ذلك في إيران، وسنسقط هذا النظام"، متعهداً بتنفيذ "أكبر عملية منسقة للعزل الاقتصادي في العالم".
وقد تشكل الصين اختباراً أكبر للاستراتيجية الاقتصادية التي يتبناها ترامب. ووفقاً للجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية الصينية، لا تزال الصين أكبر شريك تجاري لإيران والمشتري الرئيسي للنفط الإيراني.
وعندما سُئل بيسنت عما إذا كانت العقوبات ستستهدف الصين، قال: "من الأفضل إجراء الكثير من المحادثات على انفراد، ونحن واثقون من أن الجميع يريد إعادة فتح مضيق هرمز وانخفاض أسعار الطاقة"، مضيفاً أن انضمام بكين إلى هذه الجهود "سيقدم لها خدمة كبيرة".
ويثير تحذير ترمب من أن الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران قد تواجه عواقب اقتصادية، تساؤلات بشأن تأثير هذه السياسة على بكين، خصوصاً مع استعداد الرئيس الصيني شي جين بينج لزيارة الولايات المتحدة الشهر المقبل.
وهدد ترمب، الأربعاء، بعواقب على الدول التي تواصل منح إيران إمكانية الوصول إلى التجارة العالمية والشبكات المالية.
وقال: "ستكون هذه حرباً اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق. وأي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم أي نوع من شريان الحياة لإيران، ستواجه بدورها عواقب اقتصادية هائلة".
ولم يحدد ترمب الإجراءات التي ستُفرض على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران.
وقال ترمب: "سيكون هذا يوم إنزال اقتصادي (D-Day)، ونحتاج إلى أن يقف جميع حلفائنا إلى جانب الولايات المتحدة لعزل التهديد الإيراني وهزيمته".
ويشير مصطلح D-Day إلى إنزال قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية على شواطئ نورماندي في فرنسا في 6 يونيو 1944، والذي فتح جبهة رئيسية ضد ألمانيا النازية.
الصين.. الاختبار الأكبر
ورفضت الخارجية الصينية تهديدات ترمب بشن "حرب اقتصادية" على شركاء إيران التجاريين، معتبرة أن هذه السياسة لن تنجح في حل التوترات الإقليمية.
ودعت الخارجية الصينية الأطراف المعنية إلى "اتخاذ إجراءات مسؤولة، والسعي إلى حل القضية عبر الوسائل الدبلوماسية والسياسية".
وستشكل الصين الاختبار الأكبر لمدى استعداد واشنطن لتنفيذ تهديداتها، حسبما أوردت "بلومبرغ".
فبكين هي المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، فيما لم تُظهر إدارة ترمب حتى الآن رغبة كبيرة في تحدي علاقاتها الاقتصادية مع إيران، خصوصاً مع استعداد شي لزيارة الولايات المتحدة الشهر المقبل، وفي وقت تحاول فيه أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم الحفاظ على هدنة تجارية هشة.
وتخضع إيران بالفعل لعقوبات مشددة منذ عقود، فيما تفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على موانئها، بعد أشهر من الغارات الجوية التي فشلت في إجبار طهران على توقيع اتفاق لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز والتخلي عن موادها النووية.
وتعد الإجراءات الاقتصادية المؤثرة المتبقية أمام واشنطن في مواجهة طهران، غير واضحة، باستثناء استهداف الصين أو تكثيف ملاحقة الكيانات الأصغر التي تتعامل مع إيران في دول أخرى.
وفرضت واشنطن منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي، عقوبات على بعض المصافي الصينية المستقلة، لكنها امتنعت حتى الآن عن استهداف البنوك الصينية الكبرى التي تمول هذه التجارة.
وأي قرار باستهداف الصين قد يؤدي إلى تفاقم التوتر قبل أسابيع فقط من استقبال ترمب لشي في أول زيارة للرئيس الصيني إلى واشنطن منذ عقد.
كما قد يدفع بكين إلى اتخاذ إجراءات مضادة تضر بالاقتصاد الأميركي قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، التي ستكون القضايا الاقتصادية وتكاليف المعيشة عاملاً مهماً فيها.
وسبق للصين أن أظهرت استعدادها للرد على ترمب، خصوصاً عندما أعلنت قيوداً على صادرات المعادن الأرضية النادرة، ما دفع البيت الأبيض إلى التراجع في المواجهة المتعلقة بالرسوم الجمركية.
إيران وتهديدات ترمب
ورفضت إيران تهديدات ترمب وإدارته، وسلطت بدلاً من ذلك الضوء على الضغوط التي فرضها الصراع على الاقتصاد الأميركي.
وصمدت إيران حتى الآن في وجه عقوبات اقتصادية قاسية ومتواصلة على مدى ما يقرب من 50 عاماً، منذ الثورة ضد نظام الشاه في عام 1979.
ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوة بأنها "محاولة لصرف الأنظار عن أزمة أميركا نفسها: ديون غير مسبوقة وتكاليف فوائد متصاعدة".
وقال عراقجي، الخميس، إن "الإصرار على النهج نفسه، والتأكيد على سياسات فاشلة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الهزائم وإلى عداء الإيرانيين"، ووصف هذه الإجراءات بـ"الإرهاب الاقتصادي الأميركي الذي يهدد الاقتصاد العالمي وسيادة الدول في جميع أنحاء العالم".
وتجاوز الدين العام للولايات المتحدة عتبة 40 تريليون دولار هذا الأسبوع.
كما انتقد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي خطاب ترمب، معتبراً أن تهديدات الرئيس الأميركي أصبحت أقل أهمية مع اقتراب الصراع، الذي بدأ في 28 فبراير، من إكمال شهره السادس.
وقال غريب آبادي على منصة "إكس"، الخميس، إنهم "يزعمون أن إيران على وشك الانهيار وأنها معلقة بخيط، ومع ذلك يتوسلون إلى جميع حلفائهم لمساعدتهم! المشكلة تكمن في الحسابات الخاطئة التي يضطرون، في كل مرة يحاولون التستر عليها، إلى خلق فشل أكبر لأنفسهم".
وأضاف: "الحرب العسكرية لم تحقق نتائج، ولذلك أطلقوا الآن على الفشل المقبل اسم الحرب الاقتصادية".
ومنذ بداية الحرب، فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية إضافية مشددة على إيران في إطار حملة "أقصى الضغوط"، بهدف الحد من التمويل المتاح للقدرات العسكرية الإيرانية.
تأتي التهديدات الاقتصادية الجديدة لترمب، فيما تبدو المفاوضات بين واشنطن وطهران متعثرة بسبب الخلافات بشأن "مذكرة التفاهم" التي وقعها البلدان في 17 يونيو.
وحددت الوثيقة التزامات تهدف إلى ضمان إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل دون أي رسوم، كما أرست وقفاً لإطلاق النار لمدة 60 يوماً بهدف إتاحة المجال لإجراء محادثات فنية، بما في ذلك بشأن القدرات النووية الإيرانية. وقبل الحرب، كان نحو خُمس استهلاك العالم من المحروقات يمر عبر هذا الممر المائي.
وتجدد الخلاف بشأن المضيق، بعدما طرحت إيران قائمة من ستة مطالب رئيسية، تقول إنه يتعين على الولايات المتحدة تلبيتها قبل إعادة فتح الممر المائي.








