الحرب الاقتصادية على إيران.. خيار ترمب لتجنب التصعيد العسكري | الشرق للأخبار

"الحرب الاقتصادية" على إيران.. خيار ترمب الأبرز لتجنب التصعيد العسكري

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن. 19 أغسطس 2026 - REUTERS
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن. 19 أغسطس 2026 - REUTERS

تحمل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن "حرب اقتصادية" غير مسبوقة على إيران رسالة مزدوجة، إذ تسعى واشنطن إلى تشديد الضغط على طهران لإجبارها على تقديم تنازلات، دون الانزلاق، في الوقت الراهن، إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وسعى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الخميس، إلى تهدئة مخاوف المستثمرين بشأن حملة الضغط الجديدة، مستبعداً استئناف القتال "على نطاق واسع" قريباً. غير أن الرسالة لم تصل إلى الأسواق وحدها، إذ من المرجح أن تكون طهران قد قرأتها أيضاً باعتبارها مؤشراً على أن ترمب لا يريد العودة إلى التصعيد العسكري، وفق صحيفة "نيويورك تايمز".

وكان الرئيس ترمب قد توعد هذا الأسبوع بما وصفه بـ"يوم حسم اقتصادي" ضد إيران، ضمن حملة "ساحقة" تهدف إلى "شل" اقتصادها. وتجمع الضغوط الأميركية بين تداعيات الدمار الذي خلفته الحرب، والحصار البحري، والعقوبات التي فرضت بالفعل ضغوطاً على الاقتصاد تفوق ما واجهه النظام الإيراني على مدى عقود.

لكن خلف اللهجة التصعيدية، برزت رسالة عبّر عنها بيسنت بوضوح، الخميس: "ترمب لا يريد العودة إلى الحرب في الوقت الراهن". 

أوراق ضغط "محدودة"

وهدد الرئيس الأميركي مراراً باستئناف ضربات واسعة ضد إيران، قبل أن يتراجع عنها، ما دفع محللين إلى الاعتقاد بأن ترمب "عالق في صراع لا يمتلك فيه سوى أوراق ضغط محدودة"، بعدما أظهر نقاط ضعف واضحة في مواجهة خصم بات "أكثر جرأة"، يستشعر أنه غير راغب في التصعيد العسكري.

وحتى في ظل معاناة إيران من التضخم، من المرجح أن يشعر ترمب بصورة متزايدة بضغوط اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، في ظل حرب لا تحظى بشعبية، وارتفاع أسعار البنزين. ويرى خبراء أن هذا المزيج ينطوي على تهديدات، إذ قد يدفع إيران إلى استشعار ضعف أميركي والتحرك بشكل أكثر عدائية.

وقال دينيس روس، المفاوض الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط: "هم يرونه (قادة إيران) الآن غير راغب في التصعيد عسكرياً، وهذا يمنحهم حافزاً لإظهار أنهم قد يصعدون عسكرياً".

وقال بيسنت لشبكة CNBC، الخميس، إن وزارة الخزانة ستعلن، الاثنين، عن إجراءات جديدة تستهدف إيران، معتبراً أن الأسواق بالغت في رد فعلها عندما دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع.

وأضاف: "إذا كنا نطبق أقصى درجات الضغط الاقتصادي، فهذا يعني على الأرجح أنه لن تكون هناك عودة وشيكة إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق، لكنني أؤكد أن ذلك ينطبق على الوقت الراهن".

وكان الرئيس الأميركي قد أعلن في منصته للتواصل "تروث سوشيال"، الأربعاء، عن "يوم حسم اقتصادي" ضد إيران، متوعداً بـ"حرب اقتصادية، وعزلة على نطاق غير مسبوق".

وكتب ترمب: "هؤلاء المجانين باتوا في موقف بالغ الصعوبة، وهذه الإجراءات التاريخية ستشلهم وتشل قدرتهم على نشر الإرهاب في أنحاء العالم".

غير أن هذه الاستراتيجية تأتي في وقت يواجه فيه ترمب ضغوطاً داخلية متزايدة. فقد حذر في يونيو من أن حرباً طويلة قد تدفع الاقتصاد الأميركي نحو "الكساد"، فيما تشير استطلاعات إلى تراجع شعبية حرب إيران، بما في ذلك بين الجمهوريين، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود، واقتراب انتخابات التجديد النصفي.

قدرة إيران على تحمل الضربات

وأظهرت إيران خلال الأشهر الماضية قدرة على تحمل حجم كبير من الخسائر والدمار الناتج عن الضربات الأميركية، وفي الوقت نفسه فرض كلفة على الولايات المتحدة، من خلال هجمات استهدفت ناقلات نفط في مضيق هرمز وغيرها من التحركات.

ولا تزال أسعار البنزين في الولايات المتحدة أعلى بأكثر من دولار للجالون مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، فيما تعرضت قواعد أميركية في المنطقة لأضرار جسيمة، وسقط 18 عسكرياً أميركياً، وتراجعت مخزونات بعض الذخائر.

وفي المقابل، لا يزال الاتفاق الذي يمكن أن ينهي الحرب بعيد المنال، حتى فيما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

ويرى محللون أن قدرة إيران على الصمود والرد دفعت ترمب إلى الاعتماد بصورة أكبر على الضغط الاقتصادي بدلاً من القوة العسكرية.

وجاء تصعيد جديد، الأربعاء، عندما أعلنت الإمارات وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران، حتى إشعار آخر، وذلك في ضوء التصعيد الإقليمي الذي قالت إنه "قوّض السلام والأمن الإقليميين والدوليين".

لكن توسيع الضغط أكثر قد يواجه حدوداً واضحة، خصوصاً بعدما حذر ترمب من أن "أي دولة" تقدم "شريان حياة" لإيران ستواجه "عواقب اقتصادية هائلة".

الصين.. عنصر حاسم في استراتيجية ترمب

ووفق "نيويورك تايمز"، تظل الصين أهم شريان اقتصادي لإيران، إذ تشتري معظم صادراتها النفطية، ما يجعل موقف بكين عاملاً أساسياً في نجاح أي حملة أميركية لتشديد الخناق الاقتصادي على طهران.

وقال مياد مالكي، الباحث في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" والمسؤول السابق عن سياسات العقوبات في وزارة الخزانة الأميركية، إن "الصين هي العنصر الذي لا غنى عنه" في أي استراتيجية للضغط على إيران، مضيفاً أنه "لا يوجد بديل يمكنه استيعاب النفط الإيراني بالحجم الذي تستوعبه الصين".

لكن ترمب يعمل في الوقت نفسه على تحسين علاقته بالرئيس الصيني شي جين بينج، المتوقع أن يزور واشنطن في 24 سبتمبر، وقال محللون إنهم يتوقعون أن الإدارة الأميركية ستتوخى الحذر في ممارسة ضغوط على الصين.

وقال إدوارد فيشمان، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، إن إيران تخضع بالفعل لعقوبات شاملة منذ سنوات، والخطوة الكبرى المتبقية أمام واشنطن هي "استهداف شركائها التجاريين بقوة، وفي مقدمتهم الصين"، مضيفاً: "أشك في أن ترمب مستعد الآن للمخاطرة بإشعال حرب اقتصادية مع الصين".

لكن الاعتماد على الضغط الاقتصادي يفتح بدوره باباً لمخاطر جديدة؛ لا سيما إذا فسرت القيادة الإيرانية إحجام ترمب عن العودة إلى الحرب باعتباره "نقطة ضعف يمكن استغلالها"، بحسب "نيويورك تايمز".

ويرى المبعوث الأميركي السابق إلى الشرق الأوسط دينيس روس، أن طهران قد تحاول فرض ضغوط عسكرية جديدة على الولايات المتحدة أو حلفائها، في وقت لا تزال فيه استراتيجية واشنطن طويلة المدى غير واضحة، وسط ارتفاع أسعار الوقود واقتراب انتخابات التجديد النصفي وتراجع مخزونات بعض الذخائر.

وانتقد روس نهج الإدارة الأميركية قائلاً: "لم أرَ طوال هذه العملية قدرة على التفكير أبعد من الخطوة التالية فقط، وليس بصورة استراتيجية على المدى البعيد".

تصنيفات

قصص قد تهمك