
تباينت مواقف المسؤولين الأميركيين إزاء ما قدمته إسرائيل وقالت إنه "معلومات استخباراتية تفيد بأن إيران تدرس استخدام أسلحة كيميائية ضد خصومها"، إذ أبدى بعضهم قلقاً من هذه التهديدات، فيما شكك آخرون في صحتها، معتبرين أنها قد تكون جزءاً من مساعٍ إسرائيلية لدفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق ضد طهران.
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيين وإقليميين أن إسرائيل شاركت واشنطن معلومات استخباراتية بشأن ما وصفته باستعدادات إيرانية لاستخدام أسلحة كيميائية، لكن هذه المعلومات قوبلت بتقييمات متباينة داخل الإدارة الأميركية، وسط شكوك لدى مسؤولين في دول خليجية بشأن جدية تلك الاتهامات.
ويرى بعض المسؤولين الأميركيين أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تستخدم هذه المعلومات في إطار حملة ضغط لإقناع إدارة ترمب بالعودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، بينما يعتقد آخرون أن التهديدات تستحق التعامل معها بجدية، في ظل تحذيرات متزايدة بشأن استعدادات طهران لاستهداف المصالح الأميركية.
وتعود الاتهامات الأميركية لإيران بشأن امتلاك قدرات كيميائية أو السعي إلى تطويرها إلى عقود، إذ أقرت طهران عام 2003 بأنها طورت قدرات كيميائية خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، لكنها قالت إنها فككتها لاحقاً.
وفي السنوات الأخيرة، ذكرت الولايات المتحدة في تقييماتها الاستخباراتية السنوية غير السرية أن إيران "على الأرجح تسعى" إلى مواصلة أبحاثها وتطويرها في مجال الأسلحة الكيميائية.
في المقابل، نفت إيران علناً امتلاك أسلحة كيميائية، ووصفت هذه الاتهامات في مناسبات سابقة بأنها جزء من حرب نفسية تشنها إسرائيل.
وأوضحت الصحيفة أن جميع المسؤولين الذين تحدثوا إليها طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، نظراً إلى الطبيعة السرية للمعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية، وحساسية الخطط الإيرانية والمناقشات الأميركية المصنفة سرية.
وتأتي هذه التطورات بعد 8 أشهر من الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، وفي وقت تترقب فيه واشنطن وطهران استكشاف فرص لتحقيق اختراق دبلوماسي، بالتوازي مع الاستعداد لاحتمال استئناف القتال.
ويعكس الجدل بشأن المعلومات الاستخباراتية الجديدة حجم التوتر في المرحلة الراهنة، ومخاطر حدوث سوء تقدير خطير، خصوصاً أن مسؤولين أميركيين أكدوا أن إدارة ترمب لا تعتزم استخدام سلاح نووي، في حين لا يبدو أن المسؤولين الإيرانيين مطمئنون إلى ذلك.
ضغوط سياسية على نتنياهو
وتخوض حكومة نتنياهو معركة من أجل البقاء السياسي، بعدما أخفق رئيس الوزراء الإسرائيلي في تأمين مسار واضح لتشكيل حكومة عقب الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي.
ويرى بعض المحللين أن نتنياهو قد يسعى إلى استغلال حالة طوارئ أمنية للضغط على قادة المعارضة ودفعهم إلى الانضمام إلى ائتلاف حكومي معه.
وخلال محادثات أجراها مسؤولون إسرائيليون مع وكالات الاستخبارات الأميركية ومسؤولين آخرين على مدى الأسبوعين الماضيين، قدمت إسرائيل تهديد الأسلحة الكيميائية باعتباره أكثر إلحاحاً من طموحات إيران لتطوير سلاح نووي.
وفي الوقت نفسه، تجري قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، المسؤولة عن الاستجابة للطوارئ وإصدار الإرشادات للمدنيين، تدريبات في أنحاء إسرائيل هذا الأسبوع، لكنها لا تدرج الاستعداد لهجمات بالأسلحة الكيميائية ضمن المحاور الرئيسية لهذه التدريبات.
كما لم تصدر القيادة توجيهات عامة أو تذكيرات واسعة لضباطها أو الجمهور بشأن إجراءات السلامة الواجب اتباعها في حال وقوع هجوم من هذا النوع، وفقاً لمسؤولين اثنين في الوحدة تحدثا للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويتيهما لعدم تخويلهما التحدث إلى وسائل الإعلام.
ورفض الجيش الإسرائيلي التعليق على الأمر.
وفي الأسابيع الماضية، عزز الجيش الأميركي وجوده العسكري في المنطقة عبر نشر سفن حربية ومقاتلات وقاذفات قادرة على تنفيذ حملة قصيرة نسبياً من الضربات المكثفة ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، إذا أجاز ترمب تنفيذها.
وفي المقابل، يعمل دبلوماسيون أميركيون وآخرون على التوصل إلى اتفاق مع إيران من شأنه إعادة فتح مضيق هرمز، ومعالجة البرنامج النووي الإيراني، وتأجيل أي تحرك عسكري إضافي.
وذكرت الصحيفة أن تعزيز القوات الأميركية في المنطقة قد يكون موجهاً بالقدر نفسه لدعم المساعي الدبلوماسية والاستعداد لاحتمال استئناف الحرب.
وصعّدت إيران هجماتها على السفن التجارية في مضيق هرمز، في محاولة لممارسة أقصى قدر من الضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة قبيل انتخابات التجديد النصفي.
شكوك في قدرة إيران على استخدام أسلحة كيميائية
ويمثل استخدام الأسلحة الكيميائية قضية شديدة الحساسية بالنسبة إلى إيران، التي تعد واحدة من الدول القليلة التي عانت من آثار هذه الأسلحة.
فخلال الحرب العراقية الإيرانية، استخدم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أسلحة كيميائية، ما أسفر عن سقوط آلاف الأشخاص، وخلّف مشكلات صحية استمرت لعقود لدى نحو 100 ألف من المحاربين القدامى والمدنيين الإيرانيين، بحسب خبراء إيرانيين.
وتراقب أجهزة الاستخبارات الأميركية منذ فترة طويلة تطور القدرات الكيميائية الإيرانية، وهي أسلحة يحظرها القانون الدولي.
وأبلغت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية نظيرتها الأميركية بأنها تعتقد أن إيران تتحرك بسرعة لتطوير التكنولوجيا اللازمة لتجهيز صواريخ بهذه الأسلحة، أو تهريبها إلى إسرائيل أو دولة أخرى لاستخدامها في هجوم، وفقاً لما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين.
وأثارت التحذيرات الإسرائيلية بشأن التهديدات الكيميائية الإيرانية لدى بعض المسؤولين الأميركيين ذكريات التقييمات الاستخباراتية الأميركية الخاطئة بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية عام 2002.
ففي ذلك الوقت، كان العراق قد تخلى إلى حد كبير عن برامجه النووية والكيميائية والبيولوجية أو جمدها، لكن أجهزة الاستخبارات الأميركية أبلغت إدارة الرئيس الجمهوري آنذاك جورج دبليو بوش بأن تقديراتها بشأن امتلاك بغداد هذه الأسلحة "مؤكدة ولا تقبل الشك".
وتباينت آراء المسؤولين المطلعين على المعلومات الاستخباراتية الجديدة بشأن مدى سرعة إيران في نشر سلاح كيميائي، أو قدرتها على استخدامه بفاعلية. فرغم أن تركيب رأس حربي كيميائي على صاروخ باليستي ليس أمراً صعباً، فإن ضمان نشر المادة الكيميائية بفاعلية يمثل تحدياً أكبر، وفقاً لخبراء أسلحة ومسؤولين أميركيين. كما أن تهريب قنبلة عبر الحدود يواجه عقبات عملية.
ويظل استخدام الطائرات المسيرة لإيصال سلاح كيميائي أحد الاحتمالات المطروحة أيضاً.
وقال مسؤول إقليمي إن إسرائيل قدمت لدول خليجية معلومات تفيد بأن إيران تعمل على جعل أسلحتها الكيميائية قابلة للاستخدام العملياتي، لكنها لم تعرض أدلة تدعم هذه المزاعم، واكتفت بإطلاع المسؤولين على تقييماتها. وأضاف أن حكومات خليجية لم تأخذ هذه التقييمات على محمل الجد.
ورفض البيت الأبيض التعليق على المعلومات، لكن مسؤولاً أميركياً قال إن ترمب سيعمل على حماية الولايات المتحدة وحلفائها من أي تهديد محتمل.
كما رفضت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) التعليق.
وقال متحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن "إسرائيل تتابع عن كثب كل تهديد يشكله النظام الإيراني، وهي مستعدة للتعامل معه".
ولم يرد متحدث باسم بعثة إيران لدى الأمم المتحدة على طلب من الصحيفة للتعليق.
خلاف استخباراتي بشأن نوايا طهران
واعتبرت الصحيفة أنه رغم عدم وجود خلاف يذكر داخل مجتمع الاستخبارات الأميركي بشأن تطوير إيران قدرات في مجال الأسلحة الكيميائية، فإن هناك تبايناً كبيراً بشأن احتمال إقدام القيادة الإيرانية على استخدام هذه الأسلحة، خصوصاً إذا لم تتعرض البلاد لهجمات عسكرية إضافية.
وجاء هذا التحذير في تقرير التقييم السنوي للتهديدات الصادر عن مجتمع الاستخبارات الأميركي في فبراير 2024، خلال فترة تولي أفريل هاينز منصب مديرة الاستخبارات الوطنية.
وقالت دانا سترول، المسؤولة السابقة عن ملف سياسات الشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأميركية خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، إن من المعروف منذ أكثر من عقدين أن إيران خزنت مكونات يمكن استخدامها في تصنيع أسلحة كيميائية، لكنها لم تستخدم هذه الأسلحة حتى الآن.
وأضافت سترول، التي تعمل حالياً في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن إيران قد تشعر بأنها تواجه "تهديداً وجودياً"، بما قد يدفعها إلى تجاوز الخط الفاصل واستخدام هذه الأسلحة غير التقليدية لأغراض هجومية مباشرة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول إيرانيين اثنين، أحدهما حالي والآخر سابق، قولهما إن طهران لن تلجأ إلى استخدام الأسلحة الكيميائية إلا إذا هاجمت الولايات المتحدة أو إسرائيل البلاد بقنبلة نووية.
تحذيرات أميركية من هجمات إيرانية
وفي سياق متصل، تتابع الولايات المتحدة مجموعة من التهديدات الإيرانية، بعدما كثفت أجهزة الاستخبارات جهود جمع المعلومات عقب الكشف عن مخطط إيراني لاستهداف قاعدة عسكرية في بريطانيا تستخدمها طائرات حربية أميركية.
وفي 23 أكتوبر، أرسل جاي كلايتون، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، مذكرة إلى وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، حذر فيها من خطر شن إيران هجمات، ما دفع دبلوماسيين أميركيين وموظفين آخرين إلى رفع مستوى التأهب.
وقال مسؤولون أميركيون إن وكالات الحكومة تقيّم مستوى التهديد الذي يستهدف الأميركيين في الشرق الأوسط وعدد من الدول الأخرى باعتباره "الأعلى" منذ اندلاع الحرب في فبراير.
وأضافوا أن القيادة المركزية الأميركية أعدت خطة لشن ضربات على إيران قد تبدأ اعتباراً من الأربعاء، عقب انتخابات التجديد النصفي، وفي وقت توجد فيه 3 حاملات طائرات أميركية في المنطقة.
لكن الظروف المثالية لتنفيذ الحملة العسكرية التي وضعتها القيادة المركزية لن تستمر سوى فترة قصيرة، إذ يتعين على إحدى حاملات الطائرات العودة إلى مينائها الأساسي بعد مطلع نوفمبر.
كما تتزامن هذه الفترة مع ليالٍ يغيب فيها القمر، ما يوفر ظلاماً دامساً تفضله القوات الأميركية عند تنفيذ عملياتها العسكرية.
وفي المقابل، يدعو بعض أعضاء إدارة ترمب إلى منح مزيد من الوقت لسياسة الضغط الاقتصادي حتى تؤتي ثمارها، معتبرين أن الحصار الأميركي والعقوبات المفروضة على إيران قد يؤديان في نهاية المطاف إلى إسقاط الحكومة الإيرانية.
لكن مسؤولين آخرين يشيرون إلى أن إيران تمكنت من الصمود أمام حملة الضغط الاقتصادي، وأنه لا توجد مؤشرات تذكر على أن الحكومة الإيرانية ستنهار من دون هجمات عسكرية إضافية.
وقالت ستيفاني ووكر، المسؤولة البارزة عن الأمن القومي والاستخبارات في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، الأسبوع الماضي، إن التهديد الإيراني للمصالح الأميركية يمثل "أولوية قصوى حالياً بالنسبة إلى الحكومة الأميركية بأكملها".
وأوضحت ووكر أن أهداف طهران تشمل التجسس وعمليات التأثير والهجمات الإلكترونية، مشيرة إلى أن قراصنة مرتبطين بإيران استهدفوا خلال الصيف عشرات أنظمة المياه في أنحاء الولايات المتحدة، ما دفع بعض المقاطعات إلى إصدار تحذيرات للسكان بضرورة غلي المياه قبل استخدامها.
وأضافت أن إيران حاولت أيضاً انتحال هويات أشخاص عبر الإنترنت لخداع معارفهم ودفعهم إلى منحها إمكانية الوصول إلى معلومات حساسة، لافتة إلى أن الذكاء الاصطناعي جعل هذا النوع من الاحتيال أسهل بكثير، خصوصاً في هجمات التصيد الاحتيالي عبر المكالمات الصوتية.
وقالت ووكر، خلال مؤتمر للأمن القومي في جزيرة سي آيلاند بولاية جورجيا الأسبوع الماضي، إن الحرب "غيرت حسابات إيران بشأن ما أصبحت مستعدة للقيام به هنا ضدنا".










