"جيش من الروبوتات" يعيد رسم المعارك البرية في أوكرانيا | الشرق للأخبار

"جيش من الروبوتات" يعيد رسم المعارك البرية في أوكرانيا

time reading iconدقائق القراءة - 9
مطورون أوكرانيون يختبرون روبوتاً قتالياً في منطقة زابوروجيا. 10 أبريل 2026 - Getty Images
مطورون أوكرانيون يختبرون روبوتاً قتالياً في منطقة زابوروجيا. 10 أبريل 2026 - Getty Images

في الوقت الذي استحوذت فيه الطائرات المُسيرة على اهتمام العالم وأعادت صياغة قواعد القتال، كانت ثورة أكثر هدوءاً تشق طريقها على الأرض بساحات المعارك  في أوكرانيا. فقد باتت كتائب من الروبوتات البرية، سواء المجنزرة أو ذات العجلات، تنفذ آلاف المهام شهرياً، من إيصال الإمدادات ونقل الذخائر وإجلاء الجرحى وزرع الألغام، إلى الاحتفاظ بالمواقع القتالية بصورة متزايدة، وفق "نيويورك تايمز".

وأصبحت هذه الآليات، أداة لا غنى عنها لجنود المشاة الأوكرانيين الذين يقضون دورات انتشار تمتد لأشهر داخل ملاجئ محصنة تحت الأرض، مختبئين من تهديد الطائرات المُسيرة.

وعند أحدث خطوط التطور، باتت المركبات البرية غير المأهولة تنجز ما كان يُعتقد قبل سنوات قليلة أنه بعيد المنال، إذ أصبحت قادرة على اقتحام خنادق العدو والسيطرة عليها.

وفي أبريل الماضي، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، استيلاء القوات الأوكرانية على موقع تسيطر عليه روسيا باستخدام طائرات وروبوتات برية وجوية فقط، دون تعريض أي جندي أوكراني لخطر مباشر.

تفوق أوكراني

وتتفوق أوكرانيا على أكثر الجيوش تطوراً في العالم، بما في ذلك الجيش الروسي، في تطوير الروبوتات البرية. والمفارقة أن هذا التقدم لا يقوده مطورو البرمجيات الذين صنعوا نجاح الطائرات المُسيرة، بل لحامون وميكانيكيون ابتكروا حلولاً عملية لتخفيف الأعباء اليومية عن جنود المشاة، بحسب الصحيفة الأميركية.

وقال أوليكسي هونتشاروك، رئيس الوزراء الأوكراني السابق ورئيس مجلس إدارة شركة "يوفورس" المصنعة للروبوتات البرية: "تطورت الطائرات المُسيرة بسرعة لأنها كانت في أيدي خبراء في تقنية المعلومات يتمتعون بقدر هائل من الإبداع. أما أنظمة الروبوتات البرية فكانت موجودة أساساً داخل وحدات المشاة في الخطوط الأمامية".

ولأنها الطرف الأضعف في الحرب، لجأت أوكرانيا إلى حلول تقنية متزايدة للحفاظ على قدرتها على القتال. فباتت الطائرات المُسيرة الرباعية الرخيصة المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد أكثر أهمية على الجبهة من البنادق.

كما أجبرت المُسيرات البحرية، الأسطول الروسي في البحر الأسود على الانكفاء إلى موانئه، فيما أثبتت المُسيرات الاعتراضية الأوكرانية كفاءة كبيرة لدرجة إرسال بعضها إلى الشرق الأوسط للمساعدة في إسقاط المُسيرات الإيرانية المهاجمة، بحسب "نيويورك تايمز".

وظل القتال البري، وهو المجال الذي يمتلك فيه البشر أكبر قدر من الخبرة، آخر الميادين التي تشهد هذا التحول. فقد أعاقت التضاريس المليئة بالحطام انتشار الروبوتات البرية، كما جعلتها الطائرات المُسيرة التي تحلق فوقها أهدافاً سهلة.

ولذلك، جاء تطويرها في مرتبة أدنى من حيث الأولوية والتمويل مقارنة بالطائرات المُسيرة، التي لفت مشغلوها المهرة أنظار المؤسسات العسكرية حول العالم.

لكن الميكانيكيين وجنود المشاة الذين أدركوا الحاجة الملحة لهذه الروبوتات، واصلوا الضغط من أجل تطويرها. وكان من أوائلهم الكابتن أوليكسندر خاركوفيتس، الذي يقود حالياً كتيبة الروبوتات البرية في اللواء الميكانيكي 93.

وقبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان خاركوفيتس يدير ورشة لإلكترونيات السيارات. وفي عام 2023، بينما كان يقاتل من منزل إلى آخر وسط أنقاض مدينة باخموت، احتمى خلف جدار ممسكاً ببندقيته، وفكر قائلاً: "يمكن للآلات أن تقوم بهذا العمل".

وعندما صدرت الأوامر بالانسحاب، اضطر إلى ترك كثير من رفاقه القتلى خلفه. وبعد ذلك قرر تسخير مهاراته الميكانيكية لضمان ألا يُترك أي جندي، حياً كان أم ميتاً، في ساحة المعركة. فثبت خطافاً ورشاشاً على مركبة يتم التحكم فيها عن بُعد، لتتمكن من سحب الجثامين مع توفير غطاء ناري.

وفي وقت لاحق من عام 2023، استُخدمت المركبة لاستعادة جثمان عجز فريق من القوات الخاصة عن الوصول إليه لمدة أسبوع. وصور الكابتن خاركوفيتس المهمة، ثم أعد عرضاً تقديمياً لإقناع قادته بتبني الروبوتات البرية. وقال: "ومنذ تلك اللحظة، انطلقت الفكرة بسرعة".

إنقاذ الأرواح

تواجه أوكرانيا معادلة قاسية، فجيشها أقل عدداً من الجيش الروسي، وأصبح الحفاظ على حياة الجنود مسألة وجودية.

وأصبح ذلك أكثر صعوبة مع اتساع منطقة القتال، وهي الشريط الممتد على طول الجبهة الذي يعني فيه أي تحرك التعرض للاستهداف بالطائرات المُسيرة. وفي بعض المناطق، بات هذا النطاق يمتد لنحو 15 ميلاً خلف خطوط القتال، بحيث أصبح الوصول إلى الموقع أكثر خطورة من البقاء فيه.

وقال الرائد أوليكسندر، الذي حُجب اسم عائلته لأسباب أمنية: "ببساطة، لا يمكننا تحمل خسارة المزيد من الأفراد".

ويقود الرائد كتيبة الأنظمة البرية غير المأهولة التابعة للواء K-2، التي تضم أكثر من 500 جندي وأكثر من 600 روبوت، وتنفذ بين خمس وست مهام يومياً.

وأوضح أن اللواء كان مضطراً لإيجاد وسائل أفضل لحماية جنوده، وإلا لكان استنفد سريعاً سائقي الشاحنات المكلفين بالمهام اللوجستية.

وغيّرت الروبوتات البرية هذه المعادلة. فهي أصغر وأبطأ من الشاحنات الصغيرة، لكنها أكثر صعوبة في الرصد من الجو، كما أنها لا تصدر حرارة جسم يمكن للطائرات المُسيرة اكتشافها. وإذا دُمرت، فلن يُقتل أحد.

اقرأ أيضاً

هجمات المسيرات تتصاعد.. أوكرانيا تستهدف مناطق روسية

تكثف أوكرانيا هجماتها بالمسيرات على مناطق روسية، بينها شبه جزيرة القرم، وسط أضرار في بنية الطاقة والنقل.

وقال الرقيب دميترو إيفانوف، قائد فصيلة الروبوتات البرية في اللواء الـ36، إنه بمجرد حصول وحدته على عدد كافٍ من الآليات غير المأهولة، أصبحت "تنفذ ما يصل إلى 80% من المهام من دون تدخل بشري، بما يشمل جميع عمليات النقل والإمداد".

وأضاف أن توجهه نحو الروبوتات جاء نتيجة الإرهاق الذي تعرض له شخصياً. فبصفته مهندساً قتالياً، اضطر إلى حمل ألغام لمسافة تقارب تسعة أميال داخل حقيبة ظهر. وقال إن لواءه كان يعاني نقصاً في الإمدادات، ما دفع فريقه إلى تصنيع جزء كبير من معداته بنفسه.

واليوم، يدير ورشتين قرب خط المواجهة، إحداهما متخصصة في الإلكترونيات، مثل أجهزة الاتصال ووحدات التحكم التي توجه المركبات، فيما تُخصص الأخرى للحام العربات وتجميعها.

قدرات محدودة

لكن لهذه الآلات قدرات محدودة أيضاً. ففي المناطق المفتوحة تصبح أهدافاً سهلة. كما أن الروبوت لا يستطيع تسلق شجرة أو القفز داخل خندق أو الارتجال كما يفعل الجندي. ولهذا يسابق المهندسون الزمن لتزويدها بأنظمة دفاع جوي مصغرة لحمايتها.

وتشكل النيران الصديقة تحدياً آخر. فقد اختبرت إحدى الوحدات خياطة شرائح تعريف لاسلكية من نوع RFID، شبيهة بتلك المستخدمة في مفاتيح السيارات، داخل الزي العسكري، بحيث يتمكن برج الروبوت من التمييز بين الجندي الأوكراني ونظيره الروسي.

ومع ذلك، يؤكد مسؤولون أوكرانيون، أنهم لم يعودوا يتصورون جيشاً من دون روبوتات برية. وتخطط البلاد لإنتاج 50 ألف روبوت خلال عام 2026، أي أكثر من ضعف إنتاج العام الماضي، فيما يعمل الجيش على إنشاء مركز متخصص لهذه الأنظمة.

ويستخدم الجيش الروسي الروبوتات البرية أيضاً، وغالباً للمهام نفسها، لكن بوتيرة أقل كثيراً من أوكرانيا.

وقال ماكسيم فاسيلتشينكو، رئيس رابطة مصنعي أنظمة الروبوتات البرية في أوكرانيا، إن تكلفة مركبة مشاة مدرعة واحدة تكفي لشراء 77 روبوتاً برياً. وأضاف: "وهذا يمنحك 77 فرصة لإنجاز المهمة من دون خسارة أي حياة بشرية". ويرى كثير من الجنود الأوكرانيين أن الروبوتات البرية لن تبلغ يوماً الانتشار الذي حققته الطائرات المُسيرة.

ويبلغ متوسط سعر المركبة البرية نحو 24 ألف دولار، أي ضعف تكلفة الطائرة المُسيرة الثقيلة المخصصة لنقل الحمولات، وأعلى بكثير من تكلفة الطائرات الرباعية الصغيرة المزودة بالمتفجرات. كما تستطيع المُسيرات الجوية إيصال الإمدادات بسرعة أكبر والقيام برحلات متكررة، رغم أن قدرتها على حمل الأوزان أقل بكثير. ومع ذلك، تبقى هناك مهام لا تستطيع الطائرات المُسيرة تنفيذها.

فقد تمكنت وحدة الرائد أوليكسندر مؤخراً، من إجلاء أحد جنود الاقتحام بعدما فقد ساقه إثر انفجار لغم. وقال إن الروبوت قطع مسافة ميلين ونصف الميل عبر أراضٍ يسيطر عليها العدو، وتعرض في طريقه لثلاثة انفجارات ألغام، لكنه نجح في إخراج الجندي حياً. وأضاف: "لولا هذه العربة، لاستحال إنقاذه، لأنه لم يكن أحد سيجازف بحياته إلى هذا الحد".

تصنيفات

قصص قد تهمك