
أظهرت نتائج تجربة سريرية مبكرة أن دواءً تجريبياً، يستهدف نظام الحماية داخل محطات توليد الطاقة في الخلايا السرطانية، تمكن من السيطرة على تطور ورم الظهارة المتوسطة لدى 67% من المرضى.
وورم الظهارة المتوسطة هو سرطان نادر وعدواني يصيب البطانة الرقيقة للأعضاء الداخلية، والسبب الرئيسي للإصابة به هو التعرض لمادة الأسبستوس المستخدمة في العزل ومواد البناء، والتي قد تستقر في الرئة، وتسبب التهابات مزمنة تنتهي بتكون الأورام بعد عقود، وتشمل الأعراض آلام الصدر وضيق التنفس (في أورام الرئة)، أو آلام وانتفاخ البطن، ويعتمد علاجه على الجراحة، والعلاج الكيميائي، والإشعاعي.
وقال باحثون بجامعة فيرمونت في الولايات المتحدة إن العقار، المعروف باسم RSO 021، كان جيد التحمل لدى مرضى عانوا من انتكاس سرطان المتوسطة، كما أدى إلى انكماش الأورام لدى بعضهم.
وتستند نتائج الدراسة، المنشورة في دورية Nature Communication، إلى تجربة من المرحلة الأولى شملت 15 مريضاً، وهي مرحلة تهدف أساساً إلى تقييم سلامة العقار والجرعة المناسبة.
وشدد الباحثون على أن فاعلية الدواء تحتاج إلى تأكيد في دراسات أكبر، ومقارنة مباشرة بالأدوية المتاحة.
30 ألف مريض سنوياً بالظهارة المتوسطة
ويُشخص نحو 30 ألف شخص بسرطان الظهارة المتوسطة سنوياً على مستوى العالم، وكثير منهم رجال سبق لهم العمل في بناء السفن، أو تكرير النفط، أو الصناعات التي تستخدم الأسبستوس، ولا تحقق طرق العلاج الحالية، ومنها العلاج الكيميائي والمناعي، فوائد كافية لجميع المرضى.
وقال الباحث المشارك في الدراسة، برايان كونيف، أستاذ علم الأمراض والطب المخبري في كلية لارنر للطب بجامعة فيرمونت، إن المرض يمثل "حاجة طبية كبيرة لم تتم تلبيتها"، مشيراً إلى أن متوسط البقاء على قيد الحياة يبلغ نحو 12 شهراً، بينما لا تتجاوز نسبة البقاء 5 سنوات نحو 10%.
إغراق الخلايا بالإجهاد التأكسدي
يعتمد العلاج الجديد على استغلال نقطة ضعف تنشأ من الطريقة التي تنتج بها الخلايا السرطانية الطاقة، فخلايا الأورام سريعة النمو تولد مستويات مرتفعة من جزيئات غير مستقرة، تعرف باسم "أنواع الأكسجين التفاعلية"، وهي نواتج جانبية لعمليات الأيض، وقد تلحق أضراراً بالبروتينات، والحمض النووي، ومكونات الخلية الأخرى.
ولكي تستمر الخلايا السرطانية في الحياة، تزيد إنتاج إنزيمات مضادة للأكسدة تحميها من هذه الجزيئات، ومن أبرزها إنزيم "بيروكسيريدوكسين 3" الموجود داخل الميتوكوندريا، وهي العضيات المسؤولة عن إنتاج معظم طاقة الخلية.
وعلى مدى سنوات، اختبرت دراسات سريرية فكرة استخدام مضادات الأكسدة لخفض الإجهاد التأكسدي وإبطاء نمو السرطان، لكن كثيراً من تلك التجارب لم يحقق نتائج ناجحة، كما أشارت بعض الدراسات إلى أن زيادة مضادات الأكسدة قد تساعد بعض الأورام على النمو.
اتخذ الباحثون في الدراسة الجديدة المسار المعاكس، إذ سعوا إلى تعطيل إنزيم "بيروكسيريدوكسين 3"، بما يمنع الخلايا الورمية من التخلص من المركبات المؤكسدة، ويدفعها إلى مستويات قاتلة من الإجهاد التأكسدي.
ويعتمد العقار على مادة "ثيوستربتون"، وهي مضاد حيوي طبيعي، لتعطيل الإنزيم، والتسبب في تراكم بيروكسيد الهيدروجين داخل ميتوكوندريا الخلايا السرطانية، ما يؤدي إلى انهيار وظائفها وموتها.
وقال الباحثون إن خلايا الأورام تنتج كميات من الجزيئات المؤكسدة أكبر من الخلايا الطبيعية، ولذلك تعتمد بصورة أكبر على "بيروكسيريدوكسين 3"، وهو ما قد يجعلها أكثر حساسية للعقار، مع الحد من الضرر الواقع على الأنسجة السليمة.
تراجع وظائف الميتوكوندريا
وأظهرت التجارب المعملية أن حذف الجين المسؤول عن الإنزيم من خلايا ورم الظهارة المتوسطة أدى إلى تراجع وظائف الميتوكوندريا، وتباطؤ تكاثر الخلايا بشدة، كما فقدت الخلايا قدرتها على تكوين أورام في الاختبارات الحيوانية.
وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، فيكتوريا جيبسون، الباحثة بجامعة فيرمونت، إن نتائج تجارب أخرى أظهرت أن الفئران التي حُذف لديها الإنزيم لم تعان من آثار ضارة واضحة، وهو ما يدعم إمكانية استهداف هذا المسار رغم الدور الحيوي للميتوكوندريا في الخلايا الطبيعية.
وأضافت: "يقول لنا البعض في المؤتمرات إنه لا يمكن استهداف الميتوكوندريا لأنها شديدة الأهمية، لكن الأدلة على إمكانية حذف بيروكسيريدوكسين 3 في الفئران دون ظهور نمط مرضي ضار تدعم نهجنا".
حقن مباشر داخل الصدر
بدأت الأبحاث الأساسية التي قادت إلى تطوير الدواء في مركز السرطان بجامعة فيرمونت خلال عام 2015، قبل تأسيس شركة "آر.إس أونكولوجي" لتحويل النتائج المعملية إلى علاج يمكن اختباره لدى المرضى.
وأجريت تجربة المرحلة الأولى في بريطانيا بين عامي 2022 و2023، تحت إشراف وكالة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية البريطانية.
ويُعطى العقار مباشرة داخل التجويف الصدري، من خلال قسطرة تكون موجودة بالفعل لدى كثير من مرضى ورم المتوسطة لتصريف الانصباب الجنبي، وهو تراكم السوائل بين الرئة وجدار الصدر، ويصيب نحو 90% من المرضى.
ويهدف هذا الأسلوب إلى تركيز العقار بالقرب من الورم، مع تقليل الكمية التي تصل إلى بقية أعضاء الجسم وما قد يصاحبها من آثار جانبية.
تحقيق معايير السلامة
وذكرت الدراسة أن جرعة تبلغ 90 مليللجرام حققت معايير السلامة، وقابلية التحمل المحددة للتجربة، ولم تُسجل وفيات عزاها الباحثون إلى الدواء.
وأظهرت عينات أنسجة مأخوذة من المرضى أن العقار وصل بالفعل إلى هدفه البيولوجي، وعطل المسار المرتبط بإنزيم "بيروكسيريدوكسين 3"، ما يشير إلى أن الآلية التي رُصدت في الخلايا والحيوانات تعمل أيضاً داخل الأورام البشرية.
وبلغ متوسط الفترة التي عاشها المرضى دون تقدم المرض 4.2 أشهر، وهي مدة قال الباحثون إنها تقارب النتائج المسجلة مع بعض طرق العلاج الحالية، إلا أن الباحثين قالوا إن بيانات البقاء الكلي لدى المرضى الـ 15 بدت أفضل من النتائج المعتادة مع العلاج المتاح.
وقال كونيف إن بيانات البقاء الكلي لدينا "واعدة للغاية، ونأمل أن تستمر هذه النتيجة مع إضافة مزيد من المرضى".
وتشير التحليلات أيضاً إلى أن العقار قد لا يقتل الخلايا السرطانية مباشرة فحسب، بل ربما يغير البيئة المناعية المحيطة بالورم بطريقة تساعد جهاز المناعة على مهاجمته، أو الحد من نموه.
وأوضح كونيف أن الدواء يمتلك نشاطاً ساماً للخلايا الورمية، إلى جانب "قدرة على تعديل المناعة بما قد يسمح للجهاز المناعي بالمساعدة في السيطرة على الورم".
وأنهى الباحثون المرحلة الثانية من تجربة الدواء، متوقعين إعلان نتائجها خلال اجتماع عالمي للأورام في وقت لاحق من العام الجاري.
ويعمل الباحثون بالتعاون مع "آر. إس أونكولوجي"، وجامعة ليستر ومؤسسات بريطانية أخرى، على تطوير جيل ثان من مثبطات "بيروكسيريدوكسين 3" أكثر قابلية للذوبان، ويمكن إعطاؤها مستقبلاً في صورة أقراص عن طريق الفم.
وقد يتيح ذلك اختبار العلاج في أنواع أخرى من السرطان تعتمد على الإنزيم لحماية نفسها من الإجهاد التأكسدي، بدلاً من اقتصاره على الأورام القريبة من تجاويف الجسم التي يمكن إيصال الدواء إليها مباشرة.
ويخطط الباحثون أيضاً لدراسة استخدام "ثيوستربتون" في الأورام التي تصيب الغشاء البريتوني داخل البطن، ومنها ورم الظهارة المتوسطة البريتوني، وسرطان المعدة، وأورام أخرى في الجهاز الهضمي.
وقال كونيف: "نعتقد أن هذه الآلية يمكن أن تكون قابلة للتطبيق في سرطانات أخرى".











