
أظهرت دراسة أميركية واسعة أن الإصابة بسكري الحمل قد لا تكون مجرد اضطراب مؤقت ينتهي بانتهاء الحمل، بل يمكن أن تكون علامة مبكرة على القابلية للإصابة باضطرابات أيضية وقلبية في السنوات التالية للولادة، وفي مقدمتها السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطراب الدهون والسمنة.
وقالت الدراسة، المنشورة في دورية JAMA Network Open، إن النساء اللاتي أصبن بسكري الحمل واجهن خطراً أعلى بنحو 10 مرات للإصابة بالسكري من النوع الثاني، مقارنة باللاتي لم يصبن به أثناء الحمل، فيما زاد خطر مرحلة ما قبل السكري بأكثر من خمسة أمثال.
ووفق نتائج الدراسة، يمكن النظر إلى سكري الحمل باعتباره "اختبار إجهاد" يكشف عن قابلية أيضية كامنة قد تستمر بعد الولادة، ما يعزز الحاجة إلى توسيع المتابعة الطبية، وليس فقط مراقبة مستويات الجلوكوز.
سكري الحمل
وحلل باحثون بيانات مليون و153 ألفاً و998 امرأة تراوحت أعمارهن بين 12 و55 عاماً، اعتماداً على قاعدة بيانات تأمين صحي تجارية أميركية تغطي الفترة من أبريل 2007 وحتى أكتوبر 2023.
واختار الباحثون نساءً لديهن ولادة واحدة مسجلة، ولم يكن لديهن قبل الولادة تشخيص معروف بمجموعة من أمراض القلب، والكلى، والتمثيل الغذائي التي أراد الفريق دراستها، وبلغ متوسط عمر المشاركات 28 عاماً، فيما كان متوسط فترة المتابعة 3.2 سنة.
ومن بين المشاركات، أصيبت 95 ألفاً و103 امرأة، أو نحو 8.2%، بسكري الحمل. ثم تتبع الفريق ظهور حالات جديدة من السكري من النوع الثاني، ومرحلة ما قبل السكري، ومتلازمة الأيض، والسمنة، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الدهون في الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الكلى المزمنة.
ويحدث سكري الحمل عندما ترتفع مستويات السكر في الدم للمرة الأولى أثناء الحمل، وغالباً نتيجة عدم قدرة الجسم على إنتاج ما يكفي من الإنسولين لمواجهة الزيادة في مقاومة الإنسولين التي تصاحب الحمل.
ارتفاع خطر السكري
وتركزت الفروق الأكثر وضوحاً في اضطرابات التحكم في سكر الدم؛ فبعد تعديل النتائج وفق عدد من العوامل، منها العمر، وسنة الولادة، والمنطقة الجغرافية، ونوع التأمين الصحي، وجد الباحثون أن النساء اللاتي أصبن بسكري الحمل كن أكثر عُرضة بنحو 10.02 مرة للإصابة بالسكري من النوع الثاني، وأكثر عُرضة بنحو 5.32 مرة للإصابة بمرحلة ما قبل السكري مقارنة بمن لم يصبن بسكري الحمل.
وبلغ معدل الإصابة الخام بالسكري من النوع الثاني 9.9 حالة لكل ألف سنة-شخص بين النساء اللاتي أصبن بسكري الحمل، مقابل حالة واحدة فقط لكل ألف سنة-شخص في المجموعة الأخرى. أما مرحلة ما قبل السكري فبلغ معدلها 12.9 مقابل 2.5 حالة لكل ألف سنة-شخص.
ولم يكن الخطر موزعاً بالتساوي عبر السنوات؛ إذ كان خطر السكري من النوع الثاني أعلى بنحو 4.7 مرات خلال السنة الأولى بعد الولادة، ثم ارتفع إلى أكثر من عشرة أمثال خلال الفترة من سنة إلى خمس سنوات، وظل مرتفعاً حتى بعد عشر سنوات، وإن كان بدرجة أقل.
وأشار الباحثون إلى أن هذا النمط يتفق مع فرضية أن الحمل قد يكشف مبكراً ضعف قدرة خلايا البنكرياس المسؤولة عن إفراز الإنسولين على تعويض مقاومة الإنسولين، لتستمر هذه القابلية، أو تتفاقم بعد الولادة.
الضغط والكوليسترول والسمنة
ولم تقتصر النتائج على مستويات السكر، فقد ارتبط سكري الحمل بزيادة خطر الإصابة بمتلازمة الأيض بنحو 2.72 مرة، وبارتفاع خطر اضطراب الدهون في الدم إلى نحو الضعف.
كما ارتفع خطر الإصابة بضغط الدم المرتفع بنحو 76%، وخطر تشخيص السمنة بنحو 75% مقارنة بمن لم يصبن بسكري الحمل. وكانت هذه الزيادات أقل حدة من الخطر المرتبط بالسكري، لكنها ظهرت مبكراً، واستمرت خلال سنوات المتابعة.
ويرى الباحثون أن تلك النتائج مهمة لأن ارتفاع ضغط الدم، واضطراب الدهون، وزيادة الوزن، واضطراب الجلوكوز لا تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى، بل يمكن أن تتراكم تدريجياً، وترفع خطر أمراض القلب والأوعية الدموية على المدى الطويل.
ووجدت الدراسة أيضاً ارتباطاً أكثر تواضعاً بين سكري الحمل، وأمراض القلب والأوعية الدموية عموماً، إذ ارتفع الخطر بنحو 28%.
وكان الارتباط أقوى بالنسبة لبعض الحالات؛ إذ ارتفع خطر مرض الشرايين الطرفية بنحو 80%، فيما زاد خطر قصور القلب بنحو 41%، لكن الباحثين شددوا على أن عدد حالات القلب كان أقل كثيراً من الاضطرابات الأيضية، وأن متوسط المتابعة القصير نسبياً قد لا يكون كافياً لرصد أمراض تحتاج عادة إلى سنوات طويلة كي تظهر.
وقال الباحثون إن النتائج تتوافق مع تصور يبدأ فيه المسار باضطرابات مثل ارتفاع السكر، والضغط، والكوليسترول، والسمنة في مرحلة مبكرة، قبل أن تتراكم آثارها بمرور الوقت، وتترجم لدى بعض النساء إلى أمراض قلب وأوعية دموية.
سكري الحمل والكلى
أما النتائج المتعلقة بالكلى فكانت أكثر تعقيداً؛ ففي التحليل الأساسي، لم تجد الدراسة زيادة ذات دلالة واضحة في خطر الإصابة بأمراض الكلى المزمنة لدى النساء اللاتي أصبن بسكري الحمل؛ إذ بلغ معدل الخطر المعدل 0.96، وهي نتيجة لا تشير إلى زيادة في الخطر. ولم يسجل الباحثون سوى 74 حالة مرض كلوي مزمن بين النساء المصابات بسكري الحمل، وهو عدد محدود نسبياً.
لكن عندما استخدم الباحثون تعريفاً أوسع لأمراض الكلى، يشمل وجود البروتين في البول واعتلال الكلى المرتبط بارتفاع ضغط الدم، ظهر ارتباط بسكري الحمل مع زيادة في الخطر بنحو 26%. ولذلك، قال الباحثون إن النتائج المتعلقة بالكلى غير حاسمة، وتحتاج إلى دراسات أطول تعتمد على اختبارات وظائف الكلى، وقياسات الزلال في البول بدلاً من سجلات التشخيص وحدها.
وتدعم النتائج فكرة متزايدة، في طب النساء والقلب، مفادها بأن الحمل يمكن أن يكشف مبكراً نقاط ضعف صحية، لم تكن قد وصلت بعد إلى مستوى المرض الظاهر.
ولفت الباحثون إلى أن بعض الدراسات السابقة وجدت اختلافات في ضغط الدم، ومستويات الدهون، والجلوكوز حتى قبل الحمل لدى النساء اللاتي يصبن لاحقاً بسكري الحمل، ما يثير احتمالاً بأن المرض لا يسبب وحده المخاطر المستقبلية، وإنما قد يكشف أيضاً عن استعداد أيضي وقلبي موجود بالفعل.
وبناءً على ذلك، قال الباحثون إن متابعة المرأة التي أصيبت بسكري الحمل ربما ينبغي ألا تتوقف عند إجراء اختبار لسكر الدم بعد الولادة، وإنما يمكن أن تشمل أيضاً متابعة ضغط الدم والوزن ومستويات الدهون بمرور الوقت.
ولم تحدد الدراسة نفسها جدولاً زمنياً جديداً للفحوص، أو تثبت أن أي تدخل بعينه سيمنع هذه الأمراض.
دراسة رصدية
ورغم الحجم الكبير للدراسة، نبَّه الباحثون إلى عدد من القيود؛ فقد اعتمد التحليل على مطالبات التأمين الصحي ورموز التشخيص، بدلاً من الفحوص الطبية المباشرة، كما لم تتوافر معلومات كاملة عن مؤشر كتلة الجسم قبل الحمل، أو التدخين، أو العرق والخلفية الاجتماعية والاقتصادية، وبعض مضاعفات الحمل والأدوية المستخدمة.
وكانت المشاركات جميعاً تقريباً مشمولات بتأمين صحي تجاري، وهو ما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على النساء غير المؤمن عليهن، أو الفئات الأكثر تعرضاً للمشكلات الصحية. كما بلغ متوسط المتابعة 3.2 سنة فقط، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع تقديرات المخاطر بعد عشر سنوات من الولادة.
وبالتالي لا تثبت الدراسة أن سكري الحمل هو السبب المباشر وراء كل هذه الأمراض، لكنها تشير إلى أنه قد يمثّل علامة تحذيرية مبكرة تستحق الاهتمام طويل الأجل.











