
عدّلت إيران تكتيكاتها الهجومية تدريجياً خلال الحرب مع الولايات المتحدة، مستفيدة من تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية الأميركية، ما مكّنها من اختراق الدفاعات الجوية وفرض معادلات عسكرية جديدة ذات تداعيات إقليمية وجيوسياسية واسعة، وفق "نيويورك تايمز".
وعلى مدى خمسة أيام الشهر الماضي، أطلقت إيران موجات من الطائرات المُسيرة والصواريخ باتجاه القوات الأميركية في ثلاث قواعد بالأردن، أملاً في اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية شديدة التحصين.
وباستخدام صواريخ متطورة قادرة على تغيير مسارها بصورة مفاجئة، كثفت إيران ضرباتها على أنظمة الدفاع، ما أجبر القوات الأميركية على استهلاك كميات كبيرة من مخزون صواريخ "باتريوت" الاعتراضية المحدود.
وفي اليوم الخامس، نجحت إيران في اختراق الدفاعات. فقد أصاب صاروخ، في 17 يوليو الماضي، وحدات سكنية جاهزة في إحدى القواعد، ما أودى بحياة ثلاثة جنود أميركيين وإصابة أكثر من 100 آخرين.
وأقر مسؤولون في وزارة الحرب الأميركية "البنتاجون" لاحقاً، بأن عشرات الجنود الآخرين أُصيبوا، كما تضررت عدة طائرات جراء الهجمات التي استهدفت الأردن خلال ذلك الأسبوع.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، رداً على سؤال بشأن الهجوم الذي أوقع ضحايا: "اعترضنا تقريباً جميع الصواريخ، لكن واحداً منها تمكن من اختراق الدفاعات".
وقالت "نيويورك تايمز" إن هذه الضربات كشفت عن تلاقي اتجاهين مهمين، أولهما أن إيران أصبحت خصماً أكثر مهارة مع استمرار الحرب، بعدما تعلمت كيفية تفادي الدفاعات الجوية الأميركية، في وقت وسّعت فيه ساحة القتال لتشمل معظم أنحاء الشرق الأوسط، واستعانت بحلفائها مثل الحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة في العراق.
أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في التراجع السريع لمخزون البنتاجون من الصواريخ الاعتراضية، التي تزداد قيمتها الاستراتيجية مع كل يوم يمر من الصراع المتقطع.
ويؤكد هذان الاتجاهان حقيقة بدأت تتضح تدريجياً منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، وهي أن قوة عظمى ذات انتشار عسكري واسع قد تجد نفسها عاجزة أمام خصم أضعف يعتمد على الحرب غير المتكافئة لاستغلال أي نقطة ضعف ممكنة، بحسب الصحيفة.
استنزاف الصواريخ الاعتراضية
واستخدم البنتاجون أكثر من 1500 صاروخ اعتراضي من طراز "باتريوت" خلال حرب إيران، ولم يتبق لديه سوى أقل من 1700 صاروخ، وفقاً لما قاله شخصان مطلعان على مستويات المخزون الأميركي للصحيفة. وكانت الولايات المتحدة قد أنتجت نحو 600 صاروخ اعتراضي فقط طوال عام 2025.
ويأتي هذا الاستنزاف السريع فيما تراقب فيه القوات الإيرانية حرباً أخرى. ففي أوكرانيا، استخدمت روسيا مزيجاً من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز لتشتيت انتباه الدفاعات الجوية الأوكرانية، قبل الدفع بأسراب من الطائرات المُسيرة.
وقال سيث جونز، رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، لـ"نيويورك تايمز": "الإيرانيون يجعلون مهمة الدفاعات الجوية أكثر صعوبة عندما يهاجمون بمزيج من الصواريخ والطائرات المُسيرة". وأضاف: "لقد نجحوا فعلياً في توظيف التكتيك الروسي، بما يجعل حماية المواقع المختلفة في منطقة الخليج أكثر صعوبة".
وخلال يوم واحد فقط من ذلك الأسبوع الدامي الشهر الماضي، أطلقت القوات الأميركية في الشرق الأوسط نحو 50 صاروخاً اعتراضياً من طراز "باتريوت"، تبلغ كلفة الواحد منها نحو أربعة ملايين دولار، بحسب مسؤولين أميركيين.
ولا يزال البنتاجون يواجه تهديداً كبيراً حاول التقليل من شأنه خلال الأشهر التي أعقبت انتهاء العمليات القتالية الرئيسية في مطلع أبريل الماضي.
وقال وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث للصحافيين، في 8 أبريل، إن برنامج الصواريخ الإيراني "دُمّر فعلياً"، وإن منصات الإطلاق والصواريخ "استُنزفت ودُمّرت وأصبحت شبه عديمة الفاعلية".
وكانت غالبية الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها مخزنة داخل منشآت واسعة تحت الأرض، تعرضت لقصف مكثف من القوات الأميركية والإسرائيلية خلال الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب. لكن إيران أعادت فتح العديد من تلك المواقع واستأنفت إطلاق الصواريخ، ما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهدد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.
وقال ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة "جونز هوبكنز"، للصحيفة إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومستشاريه للأمن القومي افترضوا أن القتال سيكون قصيراً، ولن يستنزف مخزون البنتاجون من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية.
لكن طهران، كما يقول نصر وخبراء آخرين في الشأن الإيراني، كانت تنتظر هذه اللحظة منذ اندلاع الصراع قبل أكثر من خمسة أشهر. وخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو 2025، لاحظ القادة الإيرانيون مدى السرعة التي استنزفت بها القوات الإسرائيلية والأميركية صواريخها الاعتراضية الباليستية للتصدي لوابل من الطائرات المُسيرة والصواريخ الإيرانية.
استهداف قاعدة موفق السلطي
واستهدفت أعنف الضربات الإيرانية ضد القوات الأميركية في الأردن قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق، وهي منشأة عسكرية أردنية باتت القوات الجوية الأميركية تستخدمها بصورة متزايدة مركزاً رئيسياً لعشرات الطائرات وآلاف العسكريين.
وكان العديد من الجنود الأميركيين المتمركزين سابقاً في الكويت والبحرين وقطر والإمارات قد نُقلوا قبل الحرب وخلالها إلى قواعد مثل قاعدة موفق السلطي في الأردن، باعتبارها أبعد عن إيران وأكثر أمناً من هجمات الطائرات المُسيرة والصواريخ الباليستية.
وقال مسؤول عسكري أميركي رفيع للصحيفة، إن القادة العسكريين الأميركيين عززوا الدفاعات الجوية في الأردن ومناطق أخرى من الشرق الأوسط خلال الأيام التي أعقبت مباشرة هجوم 17 يوليو، لكنه امتنع عن تقديم مزيد من التفاصيل المتعلقة بالعمليات.
وعمل متخصصون عسكريون أميركيون، درسوا أيضاً هجمات الطائرات المُسيرة والصواريخ في أوكرانيا، منذ أشهر مع القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، لتبادل الدروس المستفادة من تلك الحرب. وكان اثنان من الجنود الثلاثة الذين قُتلوا في الأردن يخدمان في وحدات للدفاع الجوي متمركزة في ألمانيا، وانضما إلى هذا الجهد.
ويفرض هذا الواقع الجديد تداعيات جيوسياسية أيضاً. ففي أواخر يوليو، سأل ترمب هيجسيث عن تراجع مخزون الأسلحة الأميركي، وفقاً لمسؤولين أميركيين، مؤكدين بذلك تقريراً نشرته صحيفة "واشنطن بوست".
ورغم ذلك، يؤكد البنتاجون علناً أنه لا يواجه نقصاً في الذخائر. وقال المتحدث الرئيسي باسم الوزارة شون بارنيل في بيان: "الادعاءات بشأن وجود نقص في الذخائر الأميركية غير صحيحة. وعندما تروج وسائل الإعلام التي تنشر الأخبار الزائفة لهذه المزاعم بشكل غير مسؤول، تكون النتيجة واضحة، إذ يشعر أعداؤنا بجرأة أكبر على الاستفزاز أو مهاجمة القوات الأميركية".
تطور القدرات الإيرانية
ولم يكن الهجوم على الأردن أول مرة تُظهر فيها إيران قدرتها على تطوير مهاراتها وتكتيكاتها خلال هذه الحرب.
ففي أبريل، أسقطت إيران مقاتلة أميركية من طراز F-15E فوق جنوب إيران باستخدام صاروخ أرض-جو يُطلق من الكتف. وتمكن الطيار وضابط أنظمة التسليح من القفز بالمظلتين. وأُنقذ الطيار سريعاً، بينما ظل ضابط التسليح مفقوداً قرابة يومين، مختبئاً من قوات الأمن الإيرانية، إلى أن أنقذته قوات العمليات الخاصة الأميركية.
وقال مسؤول عسكري أميركي رفيع، إن إيران استفادت في هذه الحالة من الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، ونشرت سرباً من الطائرات المُسيرة في منطقة اخترقتها المقاتلات الأميركية.
وأفاد طاقم الطائرة، خلال مقابلات مع مسؤولي البنتاجون، بأن أنظمة الحماية الدفاعية في المقاتلة لم تمنحهم سوى نصف ثانية من الإنذار قبل أن تصيب إيران الطائرة المتطورة، التي تبلغ قيمتها 60 مليون دولار، بصاروخ يُطلق من الكتف.
وخلص مسؤولون عسكريون أميركيون، إلى أن الطائرات المُسيرة زودت القادة الإيرانيين بثلاث معلومات حاسمة ساعدتهم في استهداف المقاتلة: موقعها عبر نظام تحديد المواقع العالمي GPS، وسرعتها، واتجاه تحركها، بحسب مسؤول عسكري رفيع.
وأعلن ترمب "وقفاً مؤقتاً" للقتال بعد فترة وجيزة من ذلك الحادث، إذ احتاج المسؤولون العسكريون إلى وقت للتكيف مع التكتيكات الإيرانية الجديدة، وفقاً لمسؤولين عسكريين. لكن تلك التكتيكات واصلت التطور حتى خلال فترات توقف القتال.
وقال خبراء إن دخول جماعة الحوثي في اليمن إلى الحرب الشهر الماضي شكّل مؤشراً على نية إيران إرغام الولايات المتحدة على مواجهة هجمات جوية من مختلف الاتجاهات، علماً بأن اليمن تقع على بعد مئات الأميال جنوب إيران.
كما يعتقد مفتشون دوليون أن إيران تخزن أجزاء من برنامجها النووي داخل مجمع محصن للغاية تحت الأرض في وسط البلاد. ويقع الموقع، الذي تطلق عليه الولايات المتحدة اسم "جبل الفأس"، على عمق يزيد على 300 قدم تحت أحد الجبال. وأضاف الخبراء أن إيران نقلت قواتها وقياداتها إلى مخابئ موزعة في أنحاء البلاد. وقال ولي نصر، متسائلاً: "أين هم؟ ليسوا جالسين في مكان يمكنكم قصفه. لن تجدوا أحداً".












