
أظهرت بيانات أن حركة مرور النفط الخام في الشرق الأوسط تعود تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب الأميركية على إيران، مدفوعة بزيادة الشحنات التي تمر عبر هرمز، لكن ذلك لا يعني عودة الملاحة إلى طبيعتها، في ظل استمرار الهجمات الإيرانية على السفن، واعتمادها على حماية عسكرية أميركية وإجراءات استثنائية لعبور المضيق، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
بيانات شركة Kpler (كبلر)، المتخصصة في تتبع حركة الملاحة البحرية، تشير إلى أن متوسط كمية النفط التي عبرت المضيق خلال 7 أيام بلغ 14.19 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يقترب من معدل ما قبل الحرب البالغ 17.13 مليون برميل يومياً.
وتتفق هذه البيانات مع تقديرات "جي بي مورجان تشيس" و"جولدمان ساكس" الأميركيين، بحجم التدفقات اليومية عبر الخليج العربي بنحو 17.5 مليون برميل.
وتأتي الزيادة في حركة النفط في وقت لا تزال فيه السفن التجارية تواجه تهديدات مباشرة، إذ شنت إيران عشرات الهجمات أسبوعياً باستخدام المسيّرات والصواريخ، بينما تعمل القوات الأميركية على تأمين مسارات العبور وتنسيق حركة السفن مع شركات الشحن.
وبحسب "وول ستريت جورنال"، يعود جانب كبير من الفارق المتبقي مقارنة بمستويات ما قبل الحرب إلى تعطل صادرات النفط الإيرانية ومنعها من الوصول إلى الأسواق بفعل الحصار البحري الأميركي.
وأضافت أن مخزونات النفط الإيرانية الموجودة في عرض البحر تتراجع سريعاً، سواء تلك التي كانت موجودة قبل فرض الحصار الأميركي أو التي جرى تخزينها خلال الفترات الفاصلة بين مراحله.
ويقدّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الإيرانيين سيسلمون الشحنات الأخيرة من هذا النفط إلى الصين بحلول منتصف أكتوبر الجاري.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تقول الصحيفة إن واشنطن تمارس ضغوطاً غير مسبوقة على شركاء إيران التجاريين الآخرين، فيما أغلقت دول أجواءها أمام طهران عبر تعليق الرحلات الجوية، معتبرة أن إيران تفقد بذلك منافذ اقتصادية متتالية.
عشرات الهجمات الإيرانية كل أسبوع
وفي الوقت نفسه، لا تزال إيران تستخدم المضيق كورقة ضغط، إذ تظهر بيانات حصلت عليها "نيويورك تايمز" من مسؤول أمني غربي أن طهران شنت، منذ أغسطس الماضي، نحو 30 هجوماً بطائرات مسيّرة و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن أسبوعياً ضد سفن تجارية تعبر المضيق.
وقال المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل عملياتية، إن إيران تطلق عشرات المسيّرات والصواريخ باتجاه السفن التجارية في المضيق بشكل أسبوعي، إلى حد كبير بعيداً عن الأنظار، رغم أن الهجمات أخفقت في كثير من الأحيان في إصابة أهدافها.
وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل تعرضت للإصابة بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة السابقة.
وكان "الحرس الثوري" الإيراني أعلن، الأربعاء، للمرة الأولى مسؤوليته عن أصوات الانفجارات التي كانت تُسمع بصورة شبه يومية من الساحل الجنوبي لإيران، قائلاً إنه يضرب أهدافاً في مضيق هرمز كل 24 ساعة.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن متحدث باسم "الحرس الثوري" قوله في مقابلة مع وسائل إعلام رسمية: "نمنعهم من المرور، لكن أميركا لم ترد منذ بعض الوقت".
وقالت الصحيفة إن هذه الهجمات تكشف أنه على الرغم من تعافي صادرات النفط من الشرق الأوسط في الأسابيع الماضية، إلا أن حركة الملاحة عبر الممر المائي لا تزال محفوفة بالمخاطر، في ظل سعي إيران الحثيث للحفاظ على سيطرتها على إحدى أهم أوراق الضغط التي تمتلكها.
13 سفينة تعرضت لمقذوفات
وتُظهر بيانات جمعتها مجموعة مراقبة تابعة للبحرية البريطانية أن 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، تعرضت منذ 10 سبتمبر لضربات بمقذوفات أو شظايا ناتجة عنها، بحسب "نيويورك تايمز".
لكن الصحيفة أوضحت أن هذه الحصيلة قد تكون غير مكتملة، وذلك لأنها تستند إلى بلاغات طوعية تقدمها أطقم السفن. كما أن التقارير لا تحدد الجهة المسؤولة عن الهجمات، إلا أن خبراء في الملاحة البحرية قالوا إن تفاصيل الوقائع تشير إلى أن كثيراً من هذه الهجمات نفذتها إيران.
وفي تطور آخر، أُبلغ مركز عمليات التجارة البحرية التابع للمملكة المتحدة UKMTO، الأربعاء، بوقوع 3 هجمات إيرانية على سفن.
حماية أميركية
وتعزو تحليلات نقلتها "نيويورك تايمز" جانباً من عودة صادرات النفط إلى العمليات العسكرية الأميركية التي تهدف إلى حماية السفن من الهجمات.
وأوضحت الصحيفة أن السفن في هذه الحالة تعبر داخل المياه الإقليمية العمانية عبر مسار تحدده البحرية الأميركية، مع دعم من مقاتلات ومروحيات للمساعدة في صد أي هجمات. كما تعمد بعض السفن إلى إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها لتقليل فرص رصده وتتمكن من عبور المضيق.
وأفادت "بلومبرغ" بأن الولايات المتحدة كانت تنسق سراً مع شركات الشحن منذ بداية الصيف لتحديد مسارات العبور وتجنب الألغام الإيرانية.
وقالت القيادة المركزية الأميركية، في بيان، إن القوات الأميركية "ساعدت آلاف السفن على عبور مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة عبر توفير حماية منسّقة"، مضيفة أنها تواصل العمل مع الجهات الحكومية الأميركية ودول المنطقة وقطاع الشحن البحري لزيادة حركة الملاحة البحرية.
"لا أضواء ولا هواتف".. كيف تعبر الناقلات؟
وتكشف رواية قبطان ناقلة نفط نقلتها "بلومبرغ" عن إجراءات استثنائية أصبحت جزءاً من عمليات العبور. ويعمل القبطان، الذي رفض الكشف عن هويته، على متن سفن تنقل شحنات النفط ذهاباً وإياباً عبر المضيق.
وقال إن "الرحلات غالباً ما تجري ليلاً، وسط تعليمات صارمة: لا أضواء، ولا هواتف، ولا أكثر من جهاز رادار واحد".
كما تبحر السفن في كثير من الأحيان على بُعد نحو ميل واحد فقط من الساحل العماني، حيث يبلغ عمق البحر في تلك المنطقة نحو 100 متر، وهو عمق يسمح بمرور حتى أكبر ناقلات النفط.
وأضاف القبطان أن أفراد الطاقم كانوا يعتمدون على الساحل والمنارات كمرجع لتحديد مواقعهم أثناء العبور، موضحاً أنه كان يستفيد من معرفته بأساليب الملاحة التقليدية، لكنه أشار إلى أن عدم السماح باستخدام أضواء الملاحة جعل الرحلة صعبة للغاية.
تواصل منتظم مع البحرية الأميركية
وكانت هذه الإجراءات جزءاً من منظومة أوسع للحماية، إذ كانت القوات الأميركية تراقب الناقلة التي تحمل مليوني برميل من النفط، ضمن عملية مراقبة صارمة تتطلب التواصل المنتظم مع السفينة.
وقال القبطان إن جزءاً كبيراً من وقت العبور كان يُقضى في التواصل مع البحرية الأميركية، التي كانت تحدد للسفن المسار وتزودها بنقاط عبور إرشادية طوال الرحلة.
وتتواصل السفن مع الجيش الأميركي كل 30 دقيقة لتأكيد سير عملية العبور، وإبلاغه بما إذا كانت قد رصدت أي صواريخ في مسارها.
احتمال الإصابة.. واحد من كل 20
ورغم الحماية الأميركية، فإن عبور المضيق لا يزال ينطوي على خطر كبير. فإيران لديها قائمة سوداء خاصة بالناقلات المنخرطة في حركة التجارة، بينما يقدّر مسؤولون في قطاع الشحن احتمال تعرض السفينة للإصابة بنحو حالة واحدة لكل 20 سفينة، حتى مع وجود السفن تحت مراقبة القوات الأميركية، بحسب "بلومبرغ".
وأشارت الوكالة إلى أن قرار عبور مضيق هرمز يظل بيد قبطان السفينة، قائلة إنه طالما أن القباطنة مستعدون للمخاطرة بالعبور، فإن ملايين براميل النفط يومياً ستواصل الوصول إلى الأسواق العالمية.
وتقدر المنظمة البحرية الدولية أن 24 من العاملين في البحر لقوا حتفهم جراء هجمات وقعت في أنحاء المنطقة منذ بدء الحرب. وتوضح هذه الحصيلة أن المخاطر لا تقتصر على احتمال تعرض ناقلة نفط أو غاز لهجوم، وإنما تمتد إلى أطقم السفن نفسها التي تواصل العمل في الممر المائي رغم التهديدات.










