كيف تهدد حرب إيران تحالفات الولايات المتحدة ونفوذها؟ | الشرق للأخبار

كيف تهدد حرب إيران تحالفات الولايات المتحدة ونفوذها؟

time reading iconدقائق القراءة - 11
محتجون يتظاهرون ضد حرب إيران خارج البيت الأبيض في واشنطن. 7 أبريل 2026 - Reuters
محتجون يتظاهرون ضد حرب إيران خارج البيت الأبيض في واشنطن. 7 أبريل 2026 - Reuters
دبي -

ألحقت الحرب مع إيران ضرراً بنفوذ الولايات المتحدة حول العالم، وفاقمت التوترات مع دولٍ عانت أصلاً من تقلباتٍ حادة خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثانية، وهو تآكلٌ في النفوذ قد يصعب عكسه، إذ يستغل خصوم واشنطن، كالصين، هذا الوضع، تقول مجلة "بوليتيكو".

ومن بنغلاديش إلى سلوفينيا، أدى تقنين حصص الوقود إلى شلّ حركة النقل، وهو ما أحبط القادة الذين يُواجهون تداعيات حربٍ لم يرغبوا بها. وفي الدول ذات الأغلبية المسلمة، تغزو الخطابات المعادية للولايات المتحدة وسائل الإعلام، غالباً بموافقة ضمنية من الحكومات. وحتى حلفاء واشنطن في حلف الناتو قلّصوا مساعداتهم للولايات المتحدة، حيث أكّد بعضهم أن إدارة ترمب لم تستشرهم قبل شنّ الحرب على إيران.

ويبدو أن الحرب تُسرّع ما يراه البعض انفصالاً أميركياً عن معظم دول العالم منذ عودة ترمب إلى منصبه وبدئه استعراض القوة الاقتصادية والعسكرية الأميركية بطرقٍ عشوائية، بما في ذلك فرض الرسوم الجمركية.

وقال دبلوماسي آسيوي مقيم في واشنطن، طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع: "لقد سئم الكثيرون من الفوضى التي سادت هذه الحرب، ويخشون من تداعياتها الاقتصادية، لكنني لم أرَ أي احتجاجات كبيرة رداً على ذلك".

وأضاف: "إذا أصبح شخص أكثر عقلانية الرئيس القادم، فقد تتحسن صورة الولايات المتحدة، لكن هذا الأمر يثير لدى صانعي السياسات تساؤلات صعبة طويلة الأمد حول التحالف، وإلى أي مدى يمكننا التمسك بتحالفنا مع الولايات المتحدة، وماذا يجب أن نفعل إذا لم نعد قادرين على الاعتماد عليها".

تآكل النفوذ الأميركي

وفي أحدث مؤشر على نأي القوى الأجنبية بنفسها، وصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني العلاقات الاقتصادية لبلاده مع الولايات المتحدة بأنها "نقاط ضعف" يجب معالجتها، وذلك في رسالة مصورة نُشرت، الأحد الماضي.

وقال كارني، الذي ازداد انتقاده لترمب جزئياً بسبب تهديداته بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند: "علينا أن نهتم بأنفسنا لأننا لا نستطيع الاعتماد على شريك أجنبي واحد. لا نستطيع السيطرة على الاضطرابات القادمة من جيراننا. ولا يمكننا أن نراهن بمستقبلنا على أمل توقفها فجأة".

ويقول بعض المسؤولين الأميركيين السابقين، إن "تردد ترمب المستمر بشأن ما يريد تحقيقه في إيران لم يُبشّر بالثقة".

ويضيف توماس رايت، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس السابق جو بايدن والذي ركّز على الاستراتيجية طويلة الأمد: "الحلفاء لا يعرفون ما يصدقون، والخصوم لا يعرفون ما يخشون، وحتى أعضاء حكومته لا يعرفون ما هي استراتيجيته أو نواياه الحقيقية".

وتابع في تصريحاته للمجلة: "التوقعات طويلة الأمد ليست كارثية. لكن السؤال هو: ماذا ستفعل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران خلال العامين والتسعة أشهر القادمة إذا استمر هذا التخبط؟".

ورداً على طلب التعليق، صرّحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، بأنّ نهج ترمب "أميركا أولاً" قد أثمر عن اتفاقيات تجارية أفضل، وشراكات مُعزّزة لمكافحة تهريب المخدرات، وزيادة في الإنفاق الدفاعي من جانب الحلفاء.

وقالت كيلي: "تحدث قادة العالم عن التهديد الذي تُشكّله إيران طوال 47 عاماً، لكن لم يجرؤ أحد على مواجهته. وبمجرد تحقيق جميع أهدافنا، بما في ذلك القضاء نهائياً على التهديد النووي الإيراني، سيصبح العالم بأسره أكثر أماناً واستقراراً ورفاهية".

"شرارة" أسعار الطاقة

منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 فبراير الماضي، تعرّض قطاع الطاقة العالمي لضربة قوية جراء إغلاق مضيق هرمز والهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في الشرق الأوسط.

وشهدت الولايات المتحدة، التي كانت بالفعل أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، تعزيزاً لنفوذها على أسواق الطاقة على المدى القريب، لكن هذه المكاسب قد تكون قصيرة الأجل.

وتعهدت الدول الآسيوية الأكثر عرضة لتقلبات أسعار الطاقة، والتي فرض بعضها العمل من المنزل أو أوقف الصادرات لترشيد استهلاك الوقود، بتسريع وتيرة إدماج الطاقة المتجددة وإعادة تشغيل محطات الطاقة النووية.

أما أوروبا، التي تحرص على الاستفادة من درس الغزو الروسي لأوكرانيا، فتسعى لتجنب الاعتماد على مورد واحد للطاقة، وتخطط بدلاً من ذلك لتوسيع برامج كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة، ونشر المزيد من المركبات الكهربائية.

أما الدول التي ترغب في الحد من صدمات الوقود الأحفوري، كالنقص والارتفاع المفاجئ في الأسعار، والتي أدت جميعها إلى سيناريوهات ركود تضخمي كارثية تتسم ببطء النمو وارتفاع التكاليف، فقد باتت تنظر إلى بدائل مثل الطاقة الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية على أنها ضرورية.

وقد يتجه الكثير منها إلى الصين، التي تسيطر على الغالبية العظمى من سلسلة إمداد الطاقة الشمسية. وتنتج بكين المركبات الكهربائية بأسعار مخفضة، وتسيطر على الجزء الأكبر من المعادن اللازمة للطاقة النظيفة والبطاريات.

وقال رئيس بنك التنمية الآسيوي، ماساتو كاندا، الأسبوع الماضي، في فعالية لمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن: "الهدف هنا ليس مجرد تجاوز الصدمة، بل استغلال فترة عدم اليقين هذه لبناء أساس لاستقرار أكثر استدامة".

وأحال المتحدث باسم وزارة الطاقة الأميركية، بن ديتدريش، مجلة "بوليتيكو" إلى تصريحات أدلى بها وزير الطاقة كريس رايت خلال ظهوره الأحد الماضي، على شبكة CNN، حيث انتقد رايت فعالية الدعم المقدم لتعزيز الطاقة المتجددة، وقال إن الولايات المتحدة ستحافظ على نفوذها من خلال النفط والغاز.

وأضاف: "نحن مصدر صافٍ للنفط إلى العالم، ونحن أكبر مصدر صافٍ للغاز الطبيعي في العالم بفارق شاسع".

تراجع حلفاء واشنطن

ومع استمرار الحرب، بات من المستحيل تجاهل الضغط الواقع على التحالفات العسكرية الأميركية.

وفي حروب سابقة في المنطقة، نجح رؤساء الولايات المتحدة في حشد حتى الحلفاء المترددين. وشمل ذلك طلب إدارة ترمب المساعدة في الدفاع عن المدن الإسرائيلية والبنية التحتية المدنية في المنطقة من الهجمات الإيرانية العام الماضي.

لكن هذه المرة، لم تُطلع إدارة ترمب حتى أقرب حلفائها مسبقاً، وفقاً لدبلوماسيين من دول أوروبية، ولم تُقدم لهم طلبات واضحة منذ ذلك الحين.

وقد كان لذلك أثره. رداً على إغلاق المضيق، عقدت بريطانيا وفرنسا عدة اجتماعات مع عشرات الدول الحليفة، ولكن ليس مع الولايات المتحدة، لوضع خطة لإبقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء الحرب.

وتهدف المبادرة الأوروبية إلى تنفيذ عمليات دفاعية لحماية الملاحة التجارية في المضيق، إلا أن التوقيت والقوات المشاركة لا يزالان قيد الدراسة.

ويأتي ذلك في الوقت الذي يبحث فيه الاتحاد الأوروبي سبل تعزيز آلية الدفاع الجماعي للتكتل، في خطوة قد تُعتبر رداً على تهديدات إدارة ترمب بضم جرينلاند بالقوة.

ومع ذلك، فإن العلاقات الدفاعية الأميركية راسخة في جميع أنحاء العالم ويصعب تفكيكها. وقد هدد ترمب مراراً بإنهاء بعض هذه العلاقات بما في ذلك الانسحاب من حلف الناتو، لكنه لم يتخذ أي خطوات جادة في هذا الاتجاه. ورغم استياء العديد من الدول من ترمب، إلا أنها لا تزال ترغب في الاستفادة من القوة العسكرية الأميركية.

ويوم الاثنين، بدأت الولايات المتحدة والفلبين مناورات عسكرية واسعة النطاق من المتوقع أن تشمل اليابان وكندا، وأن تكون بمثابة تحذير للصين.

في الشرق الأوسط، أثارت الهجمات الأميركية على إيران ردود فعل متباينة. ولطالما كانت إسرائيل شريكاً قوياً في الحرب ضد إيران، ويبدو أنها عازمة على إضعاف طهران قدر الإمكان إن لم تتمكن من الإطاحة بالنظام بشكل كامل.

إخفاقات دبلوماسية

كما ألحقت حرب إيران ضرراً بسمعة أميركا ونفوذها في الدول التي تواجه فيها جهود الولايات المتحدة لتعزيز العلاقات منافسة شديدة، بحسب "بوليتيكو".

وفي مقتطف من برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ، الخميس الماضي، حذّر دبلوماسيون أميركيون في السفارة الأميركية بدوشانبه، عاصمة طاجيكستان، من أن "الصراع في إيران أدى إلى ظهور خطاب مناهض لأميركا في بيئة الإعلام الطاجيكستانية الخاضعة لرقابة مشددة، حيث يعزز الفاعلون الأجانب نفوذهم، وتسعى وسائل الإعلام المحلية إلى جذب المشاهدات والحصول على تمويل خارجي".

وأضاف المقتطف، الذي حصلت عليه "بوليتيكو" مؤخراً، أن "منافسينا يبذلون جهوداً مضنية لضمان هيمنة الخطاب الإعلامي في بلد يقع على مفترق طرق الصين وأفغانستان وروسيا وإيران".

كما وصفت برقيات مماثلة، أُرسلت من دبلوماسيين أميركيين في إندونيسيا وأذربيجان، والتي سبق أن نشرتها "بوليتيكو"، انتشاراً واسعاً للرسائل المعادية للولايات المتحدة، وحذّرت من أن أمن أميركا وعلاقاتها الدبلوماسية في بعض الحالات باتت في خطر.

ورداً على طلب التعليق، أدلى المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيجوت، ببيانٍ معتادٍ سبق له استخدامه، معتبراً أن "إجراءات الرئيس ترمب تُسهم في جعل الولايات المتحدة والأجيال القادمة والعالم أجمع أكثر أماناً من خلال منع النظام الإيراني من الحصول على سلاح نووي. هذه هي الحقيقة، والإدارة بأكملها متفقة تماماً على هذا المسعى."

وقد فاقمت تحركات ترمب في إيران من شعور بعض حلفاء الولايات المتحدة بالعزلة عندما أطلق "مجلس السلام"، الذي كان من المفترض أن يكون هيئةً للمساعدة في تنفيذ الاتفاق بين إسرائيل وحركة "حماس" في قطاع غزة، لكنّ النقاد بدأوا يشتبهون في أنه مصممٌ ليحلّ محلّ الأمم المتحدة.

وكانت المجر وبلغاريا العضوين الوحيدين في الاتحاد الأوروبي اللذين انضما رسمياً إلى المجلس عند إطلاقه في فبراير. أما دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، فقد التزمت الحياد بإرسال مراقبين فقط، وأكدت بلجيكا ترددها يوم الاثنين.

وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية البلجيكية، ديفيد جوردنز، لموقع "بوليتيكو"، بأنّ بلاده لا تنوي التبرع بأموال عبر "مجلس السلام".

ومع ذلك، يجادل مؤيدو ترمب، بأنّ أيّ معاناة حالية ناتجة عن الحرب في إيران، ستؤتي ثمارها على المدى البعيد.

وقال ألكسندر جراي، الذي شغل منصباً رفيعاً في مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترمب الأولى، إن قرار استهداف إيران وأنشطتها المزعزعة للاستقرار الآن "سيعود بالنفع على الرؤساء القادمين".

تصنيفات

قصص قد تهمك