
شكّل إعلان توقيع الولايات المتحدة وإيران تفاهماً أولياً "انفراجة" محتملة لإنهاء الحرب التي اندلعت في 28 فبراير، لكنه ترك تفاصيل وآليات عدة محل تساؤل، في ظل تباين روايات واشنطن وطهران بشأن البنود والمكاسب، وترقب الأسواق وشركات الشحن لما ستسفر عنه المرحلة المقبلة بشأن إعادة فتح مضيق هرمز ومستقبل البرنامج النووي الإيراني.
قال مسؤولون في الإدارة الأميركية، لموقع "أكسيوس"، إن الاتفاق الذي وقعه الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلكترونياً، يمثّل اختباراً لقدرة واشنطن وطهران على تحويل وقف إطلاق النار إلى تسوية أوسع نطاقاً، تبدأ بمضيق هرمز وتمتد إلى البرنامج النووي الإيراني.
ويجري حالياً تطبيق تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، بما يشمل لبنان، وفقاً لمسؤولين أميركيين، إلا أن إعادة فتح مضيق هرمز لا يُتوقع أن تبدأ قبل مراسم التوقيع الرسمية المقررة الجمعة في جنيف.
ومن المنتظر أن يلتقي، الجمعة، كل من فانس، والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وقاليباف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مع وسطاء من باكستان وقطر لبحث المرحلة التالية من الاتفاق، بحسب "أكسيوس".
تأجيل الكشف عن النص
ويقول مسؤولون أميركيون إن النص الكامل لمذكرة التفاهم سيُنشر خلال الساعات الـ24 إلى الـ48 المقبلة، إلا أن ترمب أشار إلى احتمال تأجيل نشره إلى ما بعد التوقيع الرسمي.
وفي الوقت نفسه، تسابق واشنطن وطهران الزمن لصياغة الرواية الخاصة بالاتفاق، الذي لم يطّلع على نصه سوى عدد محدود من الأشخاص، في حين بدأت الأسواق وقادة العالم والمواطنون بالفعل في التفاعل معه، بحسب "أكسيوس".
وتؤكد الولايات المتحدة أن أي تخفيف للعقوبات المفروضة على إيران سيكون مرتبطاً بمدى التزامها بتنفيذ بنود الاتفاق، في حين تتحدث وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية عن حزمة مزايا أكثر سخاءً.
في المقابل، يضغط متشددون في واشنطن وإسرائيل على البيت الأبيض لتوضيح ما ستحصل عليه إيران بموجب الاتفاق، وما الذي سيحدث إذا فشلت المفاوضات النووية.
وفيما يلي 8 أسئلة رئيسية لا تزال تحيط بالاتفاق، علماً بأن البيت الأبيض لم يرد على استفسارات موقع "أكسيوس" بشأنها.
هل دخل الاتفاق حيّز التنفيذ فعلاً؟
تم توقيع مذكرة التفاهم إلكترونياً، الأحد، على أن تُقام مراسم التوقيع الرسمية الجمعة في سويسرا.
ودخل تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً حيّز التنفيذ فوراً، إلا أن مضيق هرمز لم يُفتح بالكامل بعد.
وكان ترمب أعلن، الأحد، الرفع "الفوري" للحصار الأميركي وفتح المضيق، قبل أن يعود لاحقاً ويقول إن إعادة فتحه ستتم الجمعة عقب مراسم التوقيع الرسمية.
وقال مسؤول في وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون) إن الجيش تلقى أوامر بالاستعداد لرفع الحصار، الجمعة.
وزعم ترمب، الاثنين، أن السفن بدأت بالفعل في التحرك، فيما قالت وسائل إعلام إيرانية رسمية إن وضع المضيق لم يطرأ عليه أي تغيير.
هل سيتم فتح المضيق فعلياً؟
أكد الجانب الأميركي مراراً أن الاتفاق ينص على فتح المضيق من دون رسوم عبور أو أي قيود أخرى.
وقال دبلوماسي إقليمي شارك في جهود الوساطة لـ"أكسيوس"، الأسبوع الماضي، إن الاتفاق ينص على عودة حركة الشحن عبر المضيق إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يوماً.
لكن مسؤولين إيرانيين أبلغوا وسائل الإعلام الرسمية أن المضيق لن يعود ببساطة إلى وضعه السابق، وأن طهران ستحتفظ بدرجة من السيطرة عليه.
وأفادت وكالة "فارس" بأن إيران وافقت على عدم فرض رسوم عبور خلال فترة الستين يوماً، لكنها ستبدأ لاحقاً في فرض رسوم تتعلق بالسلامة والبيئة، وفق زعمها.
وقال مسؤول أميركي رفيع إن "حواراً إقليمياً" سيُعقد بشأن مستقبل المضيق وآليات ضمان عدم إغلاقه مجدداً.
وتتحرك شركات الشحن بحذر، إذ أعلنت شركة ميرسك وغيرها من الشركات أنها تنتظر مزيداً من الوضوح وضمانات السلامة، فيما يشكك بعض المحللين في عودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب في المدى القريب.
وقال مسؤول أميركي رفيع للصحافيين إن الولايات المتحدة تتوقع زيادة كبيرة في حركة الشحن خلال الأسبوعين المقبلين، حتى وإن لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية بالكامل.
وأضاف: "بعض أطقم السفن ترغب في رؤية قدر أكبر من الاستقرار خلال الأيام القليلة المقبلة، وربما خلال الأسابيع التالية أيضاً".
ما هي مكاسب إيران من الاتفاق؟
يتفق الطرفان على أن طهران ستحصل على مكسبين رئيسيين: إنهاء القتال، وإعفاءات من العقوبات تسمح باستمرار صادرات النفط، وهو ما سيوفّر لها إيرادات تحتاج إليها بشدة.
إلا أن وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية ذكرت أيضاً أن الحكومة ستحصل على مليارات الدولارات من الأموال المجمدة بمجرد توقيع الاتفاق، وهو ما نفاه مسؤول أميركي رفيع بشكل قاطع، مؤكداً أن وصول إيران إلى تلك الأموال سيكون وفق مبدأ "الدفع مقابل الامتثال".
ويؤكد الجانب الأميركي أن الفوائد الاقتصادية الكاملة للاتفاق تعتمد على التوصل لاحقاً إلى اتفاق نووي أكثر تفصيلاً.
وأثار بعض المشككين مخاوف من احتمال وجود تفاهمات جانبية تمنح إيران إمكانية الوصول الفوري إلى أموال نقدية، غير أن البيت الأبيض وصف هذه الادعاءات بأنها "معلومات مضللة".
ومع ذلك، قال المسؤول الأميركي إن واشنطن مستعدة لتقديم بعض "البادرات الصغيرة" بشأن الأموال المجمدة وتخفيف العقوبات في المراحل الأولى، إذا أقدمت إيران على خطوات مماثلة تعكس استعدادها للالتزام بالاتفاق.
هل يتفق الطرفان على بنود الاتفاق؟
تقدم الولايات المتحدة وإيران روايات متضاربة بشأن متطلبات الاتفاق وما سيحصل عليه كل طرف في المقابل. ويعود ذلك جزئياً إلى أن المفاوضات جرت إلى حد كبير بصورة غير مباشرة عبر وسطاء، وأن مذكرة التفاهم تمثل إطاراً سياسياً عاماً أكثر من كونها معاهدة تفصيلية.
وقد يترك ذلك، بحسب "أكسيوس"، مساحة كافية من الغموض تسمح للطرفين بالقول إنهما حصلا على ما يريدان، حتى وإن اختلفت توقعاتهما بشأن الخطوات المقبلة.
وأعرب السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، أحد حلفاء ترمب المعروفين بتشددهم تجاه إيران، عن قلقه، قائلاً: "أشعر ببعض القلق لأن رؤية إيران للاتفاق تبدو مختلفة عما يدّعيه فريق التفاوض الأميركي".
في المقابل، اعتبر أحد كبار مسؤولي الإدارة الأميركية أن التباينات تعود إلى مبالغة إيران في الترويج للاتفاق للاستهلاك المحلي.
هل سيُكشف عن نص الاتفاق؟
يمكن إزالة جزء كبير من الغموض إذا نشرت الأطراف أو الوسطاء النص الكامل لمذكرة التفاهم. وخلال إحاطة صحافية، الاثنين، قال مسؤول أميركي رفيع إن ذلك سيحدث خلال الساعات الـ24 إلى الـ48 المقبلة، بينما أشار ترمب إلى أن النشر لن يحدث قبل الجمعة.
هل ستلتزم إسرائيل بالاتفاق؟
يواجه الاتفاق انتقادات من مختلف الأطياف السياسية في إسرائيل، قبل أقل من أربعة أشهر على الانتخابات، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه يفرض على تل أبيب الالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان.
وصرَّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن تل أبيب لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها في جنوب لبنان، ولن تتخلى عن حقها في الرد على هجمات "حزب الله". وأضاف أنه إذا هاجمت إيران إسرائيل على خلفية الحرب في لبنان، فإن إسرائيل سترد عليها "بكل قوة".
وقال مسؤول أميركي رفيع إن الاتفاق لا يتطلب انسحاباً إسرائيلياً، ولا يفرض "وقف إطلاق نار من طرف واحد"، ما يعني أن إسرائيل تستطيع الرد إذا تعرضت لهجمات من "حزب الله". لكن مسؤولين إسرائيليين يخشون أن تُقيّد حرية تحركهم العسكري في لبنان بشكل حاد.
وبعد غارة إسرائيلية على بيروت، الأحد، كادت أن تعرقل الاتفاق، قال ترمب لـ"أكسيوس" إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "يفتقر إلى حُسن التقدير".
وقال الرئيس الأميركي، الاثنين، إنه يأمل في حل الوضع في لبنان، مضيفاً: "سنحتاج إلى إجراء محادثة قصيرة مع حزب الله بشأن ذلك".
هل سيُبرم اتفاق نووي في نهاية المطاف؟
صُممت مذكرة التفاهم لإطلاق مفاوضات نووية تستمر 60 يوماً، وتعتمد جميع الجوانب النووية الواردة في الاتفاق على التوصل إلى اتفاق نهائي أكثر تفصيلاً من الناحية الفنية، وكذلك الحال بالنسبة للجزء الأكبر من تخفيف العقوبات الذي تأمل إيران في الحصول عليه.
ويقر المسؤولون الأميركيون بأن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق سيكون بالغ الصعوبة، في ظل انعدام الثقة المتبادل والصعوبات التي رافقت التوصل إلى مذكرة التفاهم الأقل تفصيلاً.
وكان ويتكوف وكوشنر قد زارا، في وقت سابق من الشهر الجاري، منشأة أوك ريدج في ولاية تينيسي للاجتماع بخبراء نوويين من المتوقع أن يشاركوا في أي مفاوضات من هذا النوع.
وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وهو أحد الوسطاء، إن اجتماعات ستُعقد هذا الأسبوع تمهيداً لإطلاق المفاوضات النووية.
هل ستُستأنف الحرب إذا لم يُبرم اتفاق نووي؟
يؤكد مسؤولون أميركيون أن الولايات المتحدة لن تسحب القوات التي أرسلتها إلى المنطقة ما لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي.
وقال أحد المسؤولين إن الأضرار التي لحقت بإيران زادت من فرص التوصل إلى اتفاق، مضيفاً أن ترمب لا يزال يمتلك "أدوات أخرى" في حال فشل المسار الدبلوماسي.
في المقابل، يقول مسؤولون إيرانيون إن ترمب كان متعجلاً لإنهاء الحرب، وإن طهران باتت تمتلك أوراق ضغط أقوى في المرحلة الراهنة.
وقال مسؤول أميركي رفيع للصحافيين: "أعتقد أننا سنعرف خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة ما إذا كانت تلك التفاهمات ستتحول إلى اتفاق فعلي".











