الحرب والجفاف والقيود الأوروبية تحاصر صادرات حبوب أوكرانيا | الشرق للأخبار

الحرب والجفاف والقيود الأوروبية تحاصر صادرات حبوب أوكرانيا

time reading iconدقائق القراءة - 8
جانب من عملية نقل الحبوب في منطقة أوديسا الأوكرانية. 29 يونيو 2022 - REUTERS
جانب من عملية نقل الحبوب في منطقة أوديسا الأوكرانية. 29 يونيو 2022 - REUTERS

تواجه صادرات الحبوب الأوكرانية، التي كانت تتدفق بكميات وفيرة في الظروف الطبيعية، مأزقاً متفاقماً داخل البلاد، بعدما حاصرتها الهجمات الروسية في البحر الأسود، والجفاف على نهر الدانوب، وتنامي تحفظات أقرب حلفاء كييف الأوروبيين، ويمثل هذا التطور نبأً سيئاً لأسعار الغذاء العالمية، وفق "بوليتيكو".

وقال وزير الزراعة الأوكراني، تاراس فيسوتسكي، للمجلة: "إذا استمر الوضع على هذا النحو، فسنشهد مجدداً ارتفاعاً عالمياً في الأسعار بنسبة لا تقل عن 25 إلى 30%، مع كل التداعيات التي شهدناها في عام 2022 على تضخم أسعار الغذاء عالمياً".

ومع استمرار الضربات الصاروخية في إبعاد سفن الشحن عن الموانئ الأوكرانية، تسعى كييف مجدداً لإيجاد منفذ عبر أوروبا. غير أن مساراتها البديلة تمر براً عبر دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، بينها بولندا والمجر وسلوفاكيا، حيث أثارت موجات سابقة من تدفق الحبوب الأوكرانية ردود فعل داخلية غاضبة وضغوطاً سياسية على الحكومات.

وكانت الزيادة السابقة في صادرات المنتجات الزراعية الأوكرانية عبر أوروبا الشرقية، قد فجرت احتجاجات واسعة للمزارعين، ولا سيما في بولندا، الذين اشتكوا من أن المنتجات الأوكرانية منخفضة الأسعار، التي كان يفترض أن تعبر أراضيهم فقط، انتهى بها المطاف في الأسواق المحلية.

وفرضت بولندا حظراً على واردات الحبوب الأوكرانية عام 2023، بالتوازي مع إجراءات مماثلة اتخذتها المجر وسلوفاكيا، في خطوة خالفت قواعد التجارة الأوروبية وأدت إلى توتر العلاقات مع أوكرانيا.

ودفعت المناشدات الجديدة من كييف، وتأكيدها أن الحبوب ستعبر فقط عبر أراضي جيرانها في الاتحاد الأوروبي، وارسو إلى طمأنة مزارعيها بأن أياً من هذه الشحنات لن يبقى داخل بولندا.

وقال وزير الزراعة البولندي ستيفان كرايفسكي لإذاعة "راديو زيت"، الاثنين، في إشارة إلى الحظر المفروض على واردات الحبوب الأوكرانية: "نبذل كل ما في وسعنا للإبقاء على الحظر".

محصول وفير "عالق"

تُعد أوكرانيا من أكبر منتجي الحبوب في العالم، وعادة ما تنقل أكثر من 90% من صادراتها الزراعية بحراً. وقد أدى تعطل هذا المسار التجاري بعد الغزو الروسي في عام 2022 إلى دفع أسعار الغذاء العالمية إلى مستويات قياسية. وخلال الصيف الحالي، كثفت روسيا وأوكرانيا هجماتهما المتبادلة على الموانئ وحركة الملاحة في البحر الأسود.

وقال فيسوتسكي، إن أوكرانيا صدرت خلال الأيام التسعة الأولى من أغسطس نحو 463 ألف طن متري فقط من الحبوب، أي ما يعادل ثلث المعدل المعتاد تقريباً. وأضاف أنه مع حلول نوفمبر، حين يبدأ وصول المحصول الجديد، قد تواجه البلاد نقصاً في مرافق التخزين للحبوب التي تعجز عن تصديرها.

وطلبت كييف، الأسبوع الماضي، من المفوضية الأوروبية، تقديم 220 مليون يورو لمساعدة مزارعيها على تجاوز تداعيات الأزمة.

ومن شأن هذه المنحة غير المستردة، أن تدعم القروض المصرفية، بما يسمح للمزارع الصغيرة والمتوسطة بالاحتفاظ بمحاصيلها إلى حين استئناف حركة الشحن، بدلاً من بيعها بخسائر.

وأكد متحدث باسم المفوضية الأوروبية تلقي الطلب، لكنه لم يوضح ما إذا كانت بروكسل ستوافق على تقديم التمويل، بحسب "بوليتيكو". لكن الأموال لا تمنح سوى مزيد من الوقت، إذ تبقى المشكلة الأكبر هي إعادة السفن إلى الموانئ الأوكرانية.

ولم تدخل أي سفينة مخصصة لنقل الحبوب إلى موانئ أوديسا منذ أواخر يوليو الماضي، رغم أنها لا تزال مفتوحة. وخلال ذلك الشهر، أصاب صاروخ روسي سفينة تنقل الذرة أثناء مغادرتها الميناء، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص كانوا على متنها، قبل أن تغرق بعد أسبوع.

ومنذ ذلك الهجوم، رفضت أطقم السفن الإبحار، فيما علقت شركات الشحن خدماتها.

وقال فيسوتسكي: "مالكو السفن وأطقمها يشعرون بالخوف. إنهم ببساطة غير مستعدين لإرسال السفن إطلاقاً. الأمر لا يتعلق باستحالة القيام بذلك، بل بعدم استعدادهم للمخاطرة".

جفاف الدانوب وقيود أوروبية

ومع تعطل طريق البحر الأسود، تتفاوض أوكرانيا مع رومانيا وبولندا والمجر وسلوفاكيا ومولدوفا لنقل كميات أكبر من الحبوب براً، وفق "بوليتيكو". لكن هذه المسارات لا يمكن أن تحل محل الصادرات البحرية.

وأوضح فيسوتسكي، أن نقل الحبوب بالسكك الحديدية والطرق البرية يضيف تكلفة تتراوح بين 50 و70 دولاراً للطن. وعندما ارتفعت أسعار الحبوب عقب الغزو الروسي في عام 2022، تمكن المصدرون من استيعاب هذه الكلفة الإضافية، أما بالأسعار الحالية فلم يعد ذلك ممكناً. وقال: "لم يعد ذلك مجدياً اقتصادياً".

كما أن المسار البديل الرئيسي عبر رومانيا يواجه تحديات إضافية، إذ تحد مستويات المياه المنخفضة في نهر الدانوب من كمية البضائع التي يمكن نقلها إلى ميناء كونستانتا على البحر الأسود.

ويعيد نقل مزيد من الحبوب براً أيضاً، إحياء مشكلة أخرى بالنسبة لكييف، تتمثل في ردود الفعل السياسية داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وكان المزارعون البولنديون قد أغلقوا المعابر الحدودية مع أوكرانيا خلال عامي 2023 و2024، ما جعل تجارة المنتجات الزراعية واحدة من أكثر القضايا إثارة للتوتر السياسي بين كييف وأحد أبرز داعميها خلال الحرب.

لكن فيسوتسكي أكد أن أوكرانيا لا تطالب بزيادة فرص وصول منتجاتها إلى سوق الاتحاد الأوروبي.

وأوضح أن الحصص الأوروبية تحدد صادرات القمح الأوكراني إلى دول التكتل عند 1.3 مليون طن سنوياً، وهو ما يجعل تكرار التدفقات الكبيرة السابقة "مستحيلاً من الناحية القانونية". وأضاف أن كييف لن تطلب رفع هذه الحصة إلا إذا بادر الاتحاد الأوروبي نفسه إلى اقتراح ذلك.

وقال: "يجب أن يكون هناك توافق داخل الاتحاد الأوروبي، ومع المزارعين الأوروبيين".

وتتمسك وارسو بموقفها القاضي بالإبقاء على حظر الحبوب الأوكرانية. لكن رغم منع بيعها داخل بولندا، تعمل الحكومة بالتنسيق مع كييف لتسهيل عبورها إلى وجهاتها النهائية.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية البولندية، ماتشي فيفيور، إن المحادثات مع كييف "تتعلق حصراً بضمان النقل السلس للحبوب الأوكرانية إلى دول ثالثة، وليس بتصديرها أو السماح بدخولها إلى السوق البولندية"، مضيفاً أن الحبوب الأوكرانية لا تزال تمثل أهمية حيوية لكثير من الدول في آسيا وإفريقيا.

احتجاجات بولندا

لكن بالنسبة للمزارعين البولنديين، فإن التأكيدات بأن الحبوب ستعبر البلاد دون أن تبقى فيها "ليست كافية"، إذ تؤكد منظمات زراعية أن بعض الشحنات التي يُفترض أنها متجهة إلى دول أخرى لا تغادر بولندا فعلياً.

واتهم جوستاف يندرييك، رئيس غرفة الزراعة في لوبلين، وأحد قادة الاحتجاجات الحدودية، جهات معنية بتسجيل الشحنات إلكترونياً على أنها وصلت إلى الخارج، بينما تُباع الحبوب داخل بولندا.

وقال: "الوثائق تذهب إلى ليتوانيا أو التشيك أو سلوفاكيا، أما الحبوب فتبقى في بولندا". وقد نفت الحكومة البولندية هذه الاتهامات باستمرار.

وعندما سُئل يندرييك عما إذا كان يثق في التأكيدات بأن الكميات الإضافية من الحبوب الأوكرانية ستعبر البلاد فقط، جاء رده حاسماً: "لا أصدق ذلك إطلاقاً".

تصنيفات

قصص قد تهمك