
تشهد إيران على مدى أسبوع مراسم تشييع شعبية للمرشد السابق علي خامنئي، الذي قتلته غارة مع بداية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير الماضي، فيما لم يظهر نجله وخليفته، مجتبى خامنئي، في أي من هذه المراسم حتى الآن.
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن عنصرين في الحرس الثوري وشخص مشارك في تنظيم الجنازة قولهم إن مجتبى خامنئي أبلغ المسؤولين برغبته في المشاركة، ولا سيما في مراسم الدفن المقررة في 9 يوليو بمدينة مشهد، حيث يعتزم أداء صلاة الجنازة على والده.
لكن مسؤولين أمنيين لا يزالون يرفضون حتى الآن ذلك، خشية أن تستغل إسرائيل المناسبة لاغتياله أو لتعقب مكان اختبائه.
وغاب مجتبى أيضاً عن مراسم تشييع زوجته، التي قتلتها غارة مع ابنهما وعدد من أقاربهم في اليوم الأول للحرب، عندما قصفت إسرائيل والولايات المتحدة المجمع السكني للعائلة.
وأثار غياب المرشد الجديد تساؤلات حول من يدير البلاد فعلياً، وسمح بتفاقم انقسامات غير مسبوقة داخل معسكر المحافظين، وفقاً للصحيفة.
وحاول مجتبى خامنئي احتواء الجدل عبر بيان مكتوب بعناية، إلا أن ذلك زاد الانقسام، إذ طالب أنصاره المتشددون خلال تجمعات ليلية بأن يظهر شخصياً أو يوجه رسالة صوتية، قبل أن يتراجعوا عن مواقفهم.
ولم يفعل أياً من ذلك، كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيشارك في مراسم تشييع والده هذا الأسبوع.
وحدة عابرة تخفي "انقسامات"
وظهرت القيادة السياسية في إيران مع كبار قادة الجيش والحرس الثوري خلال مراسم تشييع جنازة خامنئي، في محاولة لإظهار الوحدة، بحسب تقرير "نيويورك تايمز".
وظهر العديد منهم للمرة الأولى سوياً منذ بداية الحرب، بما في ذلك الرئيس مسعود بيزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني، وكبار قادة الحرس الثوري.
ووفق "نيويورك تايمز"، مثلت مراسم الجنازة "هدنة مؤقتة" بعد أسابيع من "الخلافات الحادة" بين كبار المسؤولين الإيرانيين والشخصيات السياسية حول المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وزعم التقرير أن هؤلاء المسؤولين تبادلوا حتى "اتهامات بالخيانة والتآمر على انقلاب، والتلاعب بالمرشد الجديد، وعدم طاعته".
وخلال تجمع في طهران، انتقد المنظّر المحافظ حسن رحيم بور أزغدي المفاوضات قائلاً: "أي زمن هذا الذي يُقتل فيه قائدنا ثم نتحدث عن السلام مع الولايات المتحدة"، داعياً إلى الانتقام بدلاً من التفاوض.
وفي الأسبوع الماضي، قُطع البث المباشر فجأة عن قاليباف أثناء شرحه تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة. وأثار ذلك موجة غضب ومطالب بإقالة رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، الذي ينتمي إلى التيار المحافظ.
ومنذ أشهر، يشن الإعلام الرسمي حملة ضد فريق التفاوض، بينما دعا محافظون في تجمعات بطهران إلى محاكمة المفاوضين، بل وإعدامهم.
كما تعرّض وزير الخارجية عباس عراقجي لهتافات معادية أثناء زيارته أحد المزارات في العراق، حيث كان ينسق جانباً من ترتيبات جنازة خامنئي، وردد بعض الإيرانيين: "الموت للمسترضين".
ووصف المحلل المحافظ فؤاد إيزدي الحكومة وفريق قاليباف عبر التلفزيون الرسمي بأنهم "أغبياء وعديمو العقول، وواهمون".
انقسام جديد بين المحافظين
لطالما شهدت إيران صراعات سياسية بين المحافظين والإصلاحيين، إلا أن الانقسام الحالي بات داخل المعسكر المحافظ نفسه، بعد الفراغ الذي خلّفه اغتيال المرشد السابق، الذي كان يحتكر القرار النهائي.
ويضم أحد الجناحين شخصيات براغماتية ترى أن بقاء النظام يتطلب إنهاء العداء مع الولايات المتحدة وإنعاش الاقتصاد.
أما الجناح الآخر، وهو أقلية متشددة، فيرفض أي تنازل لواشنطن، بما في ذلك البرنامج النووي، ويعتقد أن إيران قادرة على الانتصار عبر مواصلة الحرب.
وقال أربعة مسؤولين إيرانيين كبار وعنصران في الحرس الثوري لـ"نيويورك تايمز"، إن الصراع الحقيقي يدور خلف الكواليس، حيث يسعى كل طرف إلى كسب ولاء المرشد الجديد والسيطرة على مستقبل النظام.
وأضافوا أن التيار البراغماتي، الذي يضم قادة كباراً في الحرس الثوري، وقاليباف، والرئيس مسعود بيزشكيان، ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، تمكن حتى الآن من فرض رؤيته.
وقد نجح هذا التيار في تمرير قرارات رئيسية، شملت قبول وقف إطلاق النار، وإجراء مفاوضات مباشرة مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وتوقيع اتفاق مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
تغييرات مرتقبة في علاقات طهران وواشنطن
واعتبر مسؤولون إيرانيون في تصريحات لـ"نيويورك تايمز"، أن سبب رفض المتشددين للتفاوض هو إدراكهم أن المحادثات الحالية تتجاوز الاتفاق النووي لعام 2015، وقد تفتح الباب لتغييرات واسعة في العلاقات بين طهران وواشنطن بعد 47 عاماً من العداء.
وقال المحلل المقرب من الحكومة مهدي رحمتي: "نريد صفقة كبرى تزيل خطر الحرب وتسمح لنا بالازدهار اقتصادياً.. الناس يريدون فقط أن يعيشوا".
وأكد بيزشكيان أن مجتبى خامنئي وافق على خيار التسوية الدبلوماسية، وأنه يرفض "الخضوع لإرادة أقلية".
لكن المفاوضات تعثرت، وهدد ترمب بالعودة إلى الحرب، كما تجددت بعض الهجمات المتبادلة، ما منح المتشددين فرصة للقول إن الثقة بالولايات المتحدة خطأ، وإن المرشد الجديد لا يمكن أن يؤيد هذا المسار.
ووصل الأمر بالنائب المحافظ محمود نبويان إلى التساؤل عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "هل يجري انقلاب؟".
واتهم نائب آخر، كامران غضنفري، الحكومة بـ"التآمر لإبقاء البرلمان مغلقاً ودفع الأموال للناس للبقاء في منازلهم"، حتى لا يعارض النواب ما وصفه بـ"شبه انقلاب ضد المرشد".
الحرس الثوري "يعزز نفوذه"
ومنذ اندلاع الحرب، عزز الحرس الثوري قبضته على مؤسسات الدولة، وبات يدير البلاد فعلياً، بحسب "نيويورك تايمز".
وفي مؤشر على تحول آلية صنع القرار من السلطة المطلقة التي كان يتمتع بها المرشد السابق، إلى قيادة أكثر جماعية في عهد ابنه مجتبى، قال نائب الرئيس للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه، إن رأي المرشد الجديد ليس الكلمة الأخيرة، بل هو رأي يجب مناقشته مع بقية المسؤولين.
وأضاف: "إذا كنا سننفذ فقط رأي المرشد، فلماذا لدينا برلمان ومجلس أعلى للأمن القومي؟".
ووفقاً للصحيفة، فإن مثل هذا التصريح كان يُعد مستحيلاً في عهد علي خامنئي.
وقال أربعة مسؤولين إيرانيين كبار لـ"نيويورك تايمز"، إن استمرار مجتبى خامنئي في إدارة البلاد من دون ظهور علني يثير تساؤلات حول قدرة هذا النموذج على الاستمرار.
وكان أول اختبار كبير له هو المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وخلال المراحل النهائية للمحادثات، عندما كان متردداً في الموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار، زاره بيزشكيان وأبلغه بأن الوضع الاقتصادي أصبح كارثياً، وأن الحصار البحري الأميركي يشل البلاد، وأنه سيستقيل إذا رفض الاتفاق، وفق ما ذكرت الصحيفة.
كما بعث رئيس البنك المركزي عبد الناصر همتي، رسالة إلى المرشد أوضح فيها أن إيران تواجه أزمة مالية حادة، وأن الغذاء والأدوية الأساسية قد تنفد بحلول نهاية أغسطس إذا استمر الحصار البحري، وأن البلاد عاجزة عن تصدير النفط أو إيجاد طرق تجارية بديلة بالحجم المطلوب.
وأكد المسؤولون أن هذه الرسائل كانت حاسمة في دفع مجتبى خامنئي إلى دعم الاتفاق.
وقال مجتبى في بيان مقتضب إنه يعارض الاتفاق "من حيث المبدأ"، لكنه وجّه بيزشكيان بالمضي فيه إذا حظي بدعم المجلس الأعلى للأمن القومي.
وبحسب بيزشكيان، فقد أيد المجلس الاتفاق بأغلبية 12 صوتاً مقابل صوت واحد.
وبعد انتهاء مراسم التشييع، سيواجه مجتبى خامنئي أول اختبار سياسي كبير، إذ يتعين عليه تعيين رؤساء جدد للسلطة القضائية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، وقوات الباسيج، ورئاسة مكتبه.
وقال مسؤولون إيرانيون، إن هذه التعيينات ستكشف أي جناح يفضله.
ويُعد الحرس الثوري وقاليباف من أبرز حلفاء مجتبى الذين دعموا صعوده، بينما كانت الكتلة المتشددة تؤيد مرشحاً آخر لخلافة والده.








