تقرير: حرب إيران تستنزف أسلحة أميركا وتكشف نقاط ضعفها | الشرق للأخبار

"روسيا والصين تراقبان".. استنزاف الذخائر الأميركية في إيران يثير مخاوف على جبهات جديدة

خبراء: سحب أسلحة من آسيا وأوروبا يقلق الحلفاء وربما يدفع لسباق تسلح نووي

time reading iconدقائق القراءة - 12
جنود أميركيون على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن قبيل انطلاق عمليات قتالية في الشرق الأوسط. 28 مايو 2026 - Centcom
جنود أميركيون على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن قبيل انطلاق عمليات قتالية في الشرق الأوسط. 28 مايو 2026 - Centcom

قال مسؤولون أميركيون كبار إن حرب إيران تستنزف مخزونات الأسلحة الأميركية إلى مستويات مقلقة، ما أدى إلى تراجع كبير في القوة النارية للولايات المتحدة، واضطر البنتاجون إلى سحب إمدادات من آسيا وأوروبا، فيما اعتبر محللون أن إطالة أمد الصراع قد تصب في مصلحة روسيا والصين، وفق صحيفة "نيويورك تايمز".

وذكر خبراء ومحللون أن الانخفاض السريع في مخزونات صواريخ الدفاع الجوي وغيرها من الأسلحة الحيوية في أوروبا وآسيا لا يترك جيش الأميركي أقل تجهيزاً فحسب، بل قد يدفع موسكو وبكين أيضاً إلى "الشعور بقدر أكبر من الجرأة"، إذا فكرتا في خوض صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

واستهلك القصف المكثف على إيران آلاف الصواريخ، تبلغ تكلفة الواحد منها ملايين الدولارات، وتضم أجزاءً دقيقة يوفرها موردون من مختلف أنحاء العالم، وقد يستغرق إنتاجها سنوات.

كما أدى التصدي لوابل الهجمات الإيرانية إلى استنزاف مخزونات الولايات المتحدة من صواريخ الدفاع الجوي بدرجة أثارت قلقاً خاصاً لدى كبار المسؤولين في إدارة ترمب، ودفعت الولايات المتحدة إلى تأجيل عمليات تسليم أسلحة إلى عملاء أوروبيين وآسيويين.

وقال مسؤولون أميركيون إن الحملة ضد إيران دفعت وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون) إلى الإسراع بنقل سفن وطائرات ووحدات دفاع جوي من مختلف أنحاء أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط، في خطوة خلَّفت تداعيات متتالية على صيانة المعدات ومعنويات القوات.

وأضاف مسؤولون أميركيون وغربيون كبار أن النتيجة تمثّلت في تراجع كبير للقوة النارية الأميركية في تلك المناطق، وهو تحول ستكون له تداعيات طويلة الأمد، وأصبح مصدر قلق متزايد داخل الأوساط العسكرية والاستخباراتية.

ونقلت الصحيفة عن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، قولها إن الولايات المتحدة لديها "قوة نارية أكثر من كافية لتنفيذ أي عملية يأمر بها الرئيس (ترمب) في أي وقت ومكان". غير أن الخبراء يرون أن أزمة الذخائر، التي ورث ترمب جزءاً منها عن الرئيس السابق جو بايدن، من شبه المؤكد أن تستمر إلى ما بعد انتهاء فترة ولايته.

وقال توم كاراكو، الباحث البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن استنزاف الذخائر قلص وسائل الردع التقليدي لأجيال. وأضاف أن تأثير ذلك على كيفية اتخاذ القرارات في بكين وموسكو قد يتردد صداه لسنوات.

وتابع كاراكو، الذي يتابع مخزونات الأسلحة الأميركية: "من المستحيل ألا يكون لذلك تأثير كبير على حسابات روسيا والصين". وأضاف: "فقد يقدمان على خطوة متعمدة للغاية وفي الوقت الذي يختارانه، لأن علينا أن نتذكر أننا سنحتاج إلى سنوات لإعادة بناء المخزونات".

تحذيرات قبل الحرب

وقال مسؤولون مطلعون إن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال دان كاين، أبلغ الرئيس ترمب في اجتماعات سبقت الحرب، بالمخاطر الناجمة عن مواصلة استنزاف مخزونات الأسلحة المتراجعة، ومع ذلك، قرر الرئيس الأميركي المضي قدماً، اعتقاداً منه أن الحرب ستنتهي سريعاً.

وبعد أن شن ترمب هجوماً على إيران إلى جانب إسرائيل في 28 فبراير الماضي، تعهد مراراً بتحقيق النصر خلال أسابيع. وبعد أكثر من خمسة أشهر، لا يزال، بحسب الصحيفة، عاجزاً عن إخضاع طهران لإرادته، أو حتى إيجاد وسيلة لإنهاء الحرب.

وقالت "نيويورك تايمز" إن نقص الذخائر لعب دوراً في إقناع ترمب بالتخلي عن حملة قصف واسعة النطاق مطلع الشهر الجاري. لكن ذلك أظهر أيضاً كيف جعل قرار الرئيس مهاجمة إيران الولايات المتحدة وحلفاءها أكثر عرضة لتهديدات أخرى.

وعملت إدارة ترمب مع شركات الصناعات العسكرية لمحاولة تسريع الإنتاج وزيادة حجمه. لكن حتى مع الأخذ في الاعتبار تلك الجهود، قد تحتاج الولايات المتحدة إلى أكثر من عامين لتعويض أكثر من 1500 صاروخ اعتراضي للدفاع الجوي من طراز "باتريوت" استُخدمت في الحرب على إيران.

ويبلغ المخزون الأميركي الحالي من هذه الصواريخ أقل من 1700 صاروخ، وفقاً لشخصين أُحيطا علماً بحجم المخزون، وتحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما لمناقشة تفاصيل عسكرية حساسة.

ترمب يلاحق التسريبات

وأبدى ترمب غضباً شديداً إزاء التقارير الإخبارية التي تتناول نقص الذخائر، وأمر بحملة واسعة للبحث عن مصادر التسريبات في أنحاء حكومته، وطالب بإجراء ملاحقات جنائية.

وأبلغ الرئيس الأميركي مستشاريه في اجتماعات خاصة بأن أي نقاش بشأن أزمة الذخائر يرسل إشارة ضعف لأعداء الولايات المتحدة، ولا يزال يقلل علناً من شأن المشكلة، وينفي وجودها أو يلقي باللوم فيها على سلفه، بحسب "نيويورك تايمز".

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، في بيان: "شركات الدفاع لدينا تنتج ذخائر أكثر من أي وقت مضى، بينما تعمل على توسيع منشآتها وتحديث معداتها بسرعة وبمعدلات قياسية".

وأضافت ليفيت: "أي شخص مؤتمن على الوصول إلى معلومات عسكرية سرية ويسرّبها إلى وسائل الإعلام يخون تلك الثقة وينتهك القانون الفيدرالي، وينبغي أن يخضع للملاحقة القضائية إلى أقصى حد يسمح به القانون".

من جانبه، قال المتحدث الرئيسي باسم البنتاجون، شون بارنيل، إن التقارير عن نقص الأسلحة غير صحيحة، مضيفاً أن الولايات المتحدة لديها "كل ما يلزم للضرب في الوقت والمكان اللذين يختارهما الرئيس".

أوكرانيا تدفع الثمن

وتظهر الآثار المباشرة لنقص الذخيرة بوضوح أكبر في العاصمة الأوكرانية كييف، إذ قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأسبوع الماضي، إن عدد صواريخ الدفاع الجوي التي يقدمها الحلفاء الغربيون لبلاده انخفض إلى ثلث مستواه هذا العام مقارنة بعام 2025.

وفشلت أوكرانيا الأربعاء، في اعتراض أي من الصواريخ الـ28 التي أطلقتها روسيا، ما أسفر عن سقوط 17 شخصاً على الأقل. وقال زيلينسكي إن توفير المزيد من الصواريخ الاعتراضية "كان يمكن أن ينقذ أرواح الذين سقطوا في ذلك اليوم".

ويرى محللون أن المشكلة الأساسية تتمثل في أن روسيا رفعت إنتاجها من الصواريخ بوتيرة تفوق قدرة حلفاء كييف الغربيين على تصنيع أنظمة الدفاع الجوي، وفاقمت الحرب على إيران هذا التفاوت.

وقال النائب الديمقراطي جيسون كرو، عضو لجنتي القوات المسلحة والاستخبارات بمجلس النواب، إن العملية التقليدية لشراء الأسلحة الأميركية لا تسمح للولايات المتحدة "بمواكبة الطبيعة سريعة التطور للحرب فعلياً". وأضاف: "بصراحة، خصومنا لا يواجهون تلك العوائق".

وبدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تخزين صواريخ الدفاع الجوي وسط أزمة الإمدادات العالمية. وعندما سُئل ترمب، الخميس، في المكتب البيضاوي عن مناشدة زيلينسكي للحصول على المزيد من الصواريخ، رد قائلاً: "نريد صواريخ أيضاً".

ويصر الرئيس الأميركي بانتظام على أن دعم جو بايدن لأوكرانيا هو السبب وراء أي نقص في مخزونات الأسلحة الأميركية. وقال ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس، إن الولايات المتحدة لديها "كميات هائلة من الذخائر، خصوصاً من أنواع معينة".

ترسانة ضخمة بقدرات محدودة

ومن الصحيح أن الولايات المتحدة تمتلك ترسانة ضخمة من الذخائر الأقل تطوراً، بما في ذلك أكثر من 100 ألف قنبلة موجهة تُسقط من الطائرات، وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

لكن المشكلة في كثير من هذه الأسلحة أنها يجب أن تُطلق من مسافة قريبة من أهدافها، ما يعرّض مزيداً من الطائرات الحربية لخطر الإسقاط.

وتتفادى صواريخ كروز المتطورة هذه المخاطرة، إذ يمكن إطلاقها من مسافات تصل إلى مئات الأميال. لكن الجيش الأميركي استنزف إلى حد كبير مخزوناته من أنواع معينة من الصواريخ بعيدة المدى، مثل الصواريخ التكتيكية للجيش، المعروفة باسم "أتاكمز"، وصواريخ الضربات الدقيقة، خلال الحرب على إيران، وفقاً لمسؤولين.

وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن الصواريخ بعيدة المدى ستشكّل عنصراً حاسماً في أي حرب محتملة ضد الصين أو روسيا، وهما دولتان تمتلكان دفاعات جوية أكثر تطوراً بكثير من إيران.

وبحسب مسؤول أميركي مطلع على الاستخبارات الدفاعية، فإن حكومتي البلدين تراقبان مخزونات الأسلحة الأميركية عن كثب، وتقدّران حجمها بالاستناد إلى مصادر علنية، مثل عملية الموازنة في الكونجرس وإعلانات شركات الصناعات الدفاعية، إضافة إلى أقمار التجسس الاصطناعية التابعة لهما وأنظمة المراقبة الأخرى.

وكتب ألكسندر كوتس، وهو مدون روسي بارز مؤيد للحرب، مؤخراً: "الوضع يتشكل بصورة مواتية للغاية. فكلما قلت الأسلحة الموجهة بدقة التي تمتلكها الولايات المتحدة، قل ما سيصل منها إلى أوكرانيا".

وأضاف كوتس أنه حتى إذا أراد خليفة ترمب زيادة المساعدات لأوكرانيا، فإن "القيام بذلك سيكون مستحيلاً مع ترسانات فارغة".

تداعيات بعيدة المدى

وقد يكون التأثير طويل الأمد لاستنزاف المخزونات أكبر في آسيا، حيث تستعد الولايات المتحدة منذ فترة طويلة لاحتمال غزو صيني لتايوان، الجزيرة ذاتية الحكم التي تعتبرها بكين جزءاً من أراضيها.

وأصبحت القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ مصدراً رئيسياً للذخائر المستخدمة في الحرب على إيران، إذ نُقلت أعداد كبيرة من صواريخ "توماهوك" وغيرها من الصواريخ بعيدة المدى الموجودة في المنطقة، والتي تعد أساسية في أي مواجهة مع الصين، من مخزونات القيادة في المنطقة.

كما أُرسلت مئات الصواريخ الاعتراضية المتطورة للدفاع الجوي إلى الشرق الأوسط من كوريا الجنوبية ومناطق أخرى في آسيا، في حين جرى نشر مجموعة قتالية لحاملة طائرات وبعض أكثر مدمرات البحرية الأميركية تطوراً من المنطقة لدعم الحملة على إيران.

وصرَّح مسؤول أميركي بأن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية ستكون أكثر عرضة للخطر في حال اندلاع حرب مع كوريا الشمالية، لأن البنتاجون أعاد توجيه أصول المراقبة التكتيكية إلى الشرق الأوسط وسحب أنظمة الدفاع الجوي.

ويمتد تأثير هذا الاستنزاف إلى نطاق واسع، ففي آسيا، يخشى بعض المسؤولين الأميركيين من أن تشكك كوريا الجنوبية واليابان في قدرة الولايات المتحدة على حمايتهما بوسائل دفاع غير نووية، وأن تصبحا أكثر ميلاً إلى السعي للحصول على أسلحتهما النووية الخاصة لإرساء ردع أكثر مصداقية.

وفي أوروبا، يتجه حلفاء الولايات المتحدة بالفعل إلى زيادة مشتريات الأسلحة من دول أخرى، في ظل تراكم الطلبات وتأخر الإنتاج في الولايات المتحدة.

موسكو وبكين تراقبان المخزونات

ويقول مسؤولون إن روسيا والصين تدركان منذ فترة طويلة محدودية مخزونات الأسلحة الأميركية، وتفهمان الآن أن إعادة ملئها إلى مستويات تسمح بتنفيذ خطط حربية معينة ستستغرق وقتاً. ومن هذا المنطلق، قال محللون إن إطالة أمد الحرب على إيران تصب في مصلحة موسكو وبكين.

وقال تود هاريسون، محلل شؤون الدفاع في معهد "أميركان إنتربرايز": "كلما طال أمد هذه الحرب، وكلما واصلنا تبادل النيران مع إيران، ازدادت مشكلة الذخائر سوءاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، واتسعت نافذة الضعف هذه وأصبحت أكثر وضوحاً".

وقالت دارا ماسيكوت، الخبيرة في الشؤون العسكرية الروسية لدى مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، إن موسكو كانت قد بدأت بالفعل في إعادة تقييم افتراضاتها بشأن مخزونات الأسلحة الأميركية قبل اندلاع الحرب على إيران.

وأضافت أن السنوات الأربع من الحرب في أوكرانيا ربما أظهرت للمخططين العسكريين الروس أن الولايات المتحدة أبطأ مما كانوا يعتقدون في زيادة إنتاج الأسلحة.

وأوضحت ماسيكوت، التي عادت مؤخراً من رحلة إلى أوكرانيا: "هذه هي الحسابات الخاطئة التي لا نريد أن تتسرب إلى المنظومة الروسية، لأنها تجعلهم يعيدون النظر في تصورهم لقوتهم مقارنة بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتقودهم إلى استنتاجات قد لا نريدهم أن يتوصلوا إليها".

تصنيفات

قصص قد تهمك