قيادات عسكرية أكثر تشدداً خيار خامنئي في التصعيد مع واشنطن | الشرق للأخبار

قيادات عسكرية "أكثر تشدداً".. كيف اختار خامنئي تصعيد المواجهة مع واشنطن؟

المرشد الإيراني يعيد تشكيل المناصب القيادية في الجيش والحرس الثوري

time reading iconدقائق القراءة - 11
قائد الحرس الثوري أحمدي وحيدي (وسط) خلال صلاة الجنازة على المرشد السابق علي خامنئي في طهران. 5 يوليو 2026 - Reuters
قائد الحرس الثوري أحمدي وحيدي (وسط) خلال صلاة الجنازة على المرشد السابق علي خامنئي في طهران. 5 يوليو 2026 - Reuters

يعكس تعيين شخصيات أمنية وعسكرية متشددة بالمناصب العليا في إيران، توجهاً لترسيخ سلطة المرشد مجتبى خامنئي، وتشديد الموقف تجاه الولايات المتحدة، فيما تتعثر المفاوضات بشأن مضيق هرمز والملف النووي وسط تصاعد "حرب التصريحات" بين واشنطن وطهران.

واعتبرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، أن "الحاكم الغامض" لإيران مجتبى خامنئي، يسعى إلى "ترك بصمته الخاصة على سياسة الأمن القومي الإيرانية"، في ظل مواجهة مع الولايات المتحدة قد تمتد أشهراً، وربما سنوات، وذلك بعد اغتيال والده المرشد الراحل علي خامنئي، ومعظم كبار قادة أجهزته الأمنية خلال الغارات الأولى التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في بداية حرب إيران في فبراير الماضي.

وفي عملية إعادة هيكلة واسعة لأعلى مستويات السلطة في إيران، أُعلنت يومي الأحد والاثنين، تعيينات جديدة، أوكلت إلى شخصيات " أكثر تشدداً" مسؤولية إدارة السياسات الأمنية والعسكرية في البلاد.

ووصفت الصحيفة هذه التغييرات بأنها "الأوسع نطاقاً" في هرم السلطة في عهد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ اندلاع الحرب.

وتقول أجهزة الاستخبارات الأميركية، إن مجتبى لا يزال على قيد الحياة لكنه أُصيب بجروح بالغة، فيما يؤكد عدد من كبار أعضاء الحكومة الإيرانية، أنهم لم يلتقوه منذ توليه المنصب. أما المسؤولون الإيرانيون، فيقولون إنه أُصيب، لكنه يتمتع بصحة جيدة.

ويرى محللون أن هذه التعيينات تعكس إصرار خامنئي، على التمسك بموقف متشدد في مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يسعى إلى انتزاع تنازلات من طهران بشأن برنامجها النووي ومضيق هرمز.

وقال كسرا أعرابي، المتخصص في شؤون الحرس الثوري الإيراني لدى منظمة "متحدون ضد إيران النووية"، وهي مؤسسة بحثية تعارض الحكومة الإيرانية، للصحيفة: "النظام يستعد لاعتماد نهج أكثر تصادمية في الداخل والخارج".

التغييرات الجديدة

ويأتي على رأس المسؤولين الجدد محسن رضائي، الذي تولى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بعدما سبق أن قاد الحرس الثوري. وخاض رضائي، وهو شخصية سياسية معروفة، إذ خاض الانتخابات الرئاسية أكثر من مرة، وكان أطول قادة الحرس الثوري بقاءً في منصبه، كما قاد هذه القوة خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي.

كما عُيّن العميد أحمدي وحيدي قائداً جديداً للحرس الثوري، وهو من أبرز المعارضين لتقديم أي تنازلات للولايات المتحدة. واختار مجتبى خامنئي أيضاً حسين طائب قائداً لقوات "الباسيج"، وهي قوة تطوعية تتولى قمع الاحتجاجات وأشكال المعارضة الأخرى. ويُعد طائب من المقربين منذ فترة طويلة لعائلة خامنئي، وكان قد قاد "الباسيج" خلال حملة القمع الدامية للاحتجاجات في عام 2009.

وجاء تعيين رضائي ووحيدي وطائب خلفاً لمسؤولين لقوا مصرعهم خلال الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي، كما شملت التعيينات أربعة قادة آخرين أُعلن عنهم الاثنين، بينهم قائد القوات البحرية في الحرس الثوري، وهي القوة التي لعبت دوراً رئيسياً في استهداف السفن بمضيق هرمز.

وفي مؤشر إلى تنامي نفوذ رضائي، عيّنه خامنئي أيضاً ممثله الشخصي في المجلس الأعلى للأمن القومي، وهي الهيئة المكلفة باتخاذ أهم القرارات العسكرية والدبلوماسية. وكان رضائي يشغل منصب المستشار العسكري الأعلى للمرشد.

ويبلغ رضائي 71 عاماً، ولم يُظهر أي استعداد لتقديم تنازلات بشأن فتح مضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً حيوياً لصناعة النفط العالمية. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أكد أن إيران لن توافق على أي ممر عبر المضيق لا يخضع لسيطرتها. ويرى خبراء ووسطاء أن وجوده قد يساعد طهران على التحدث "بصوت أكثر توحداً".

وشهدت المفاوضات الإيرانية تقلبات متكررة نتيجة الخلافات بين القيادات السياسية والأجهزة الأمنية، فيما يناقش المجلس الأعلى للأمن القومي الاتفاق منذ أيام، من دون أن يتمكن من التوصل إلى توافق.

ويخلف رضائي في منصبه محمد باقر ذو القدر، البالغ من العمر 72 عاماً، وهو مسؤول استخباراتي بارز عمل سنوات طويلة بعيداً عن الأضواء.

وقال سينا توسي، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني لدى "مركز السياسة الدولية" في واشنطن، لـ"وول ستريت جورنال" "يحتاج خامنئي إلى شخصية أكثر قوة داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، تكون قادرة على بناء توافق بين الحكومةو والأجهزة الأمنية".

وأضاف: "رضائي قادر على أداء هذا الدور بفضل خبرته الطويلة قائداً للحرس الثوري وممارسته العمل السياسي على مدى سنوات".

صعود رضائي 

ووُلد رضائي عام 1954 في مدينة مسجد سليمان جنوب غربي إيران، وتخصص في الهندسة الميكانيكية. وانضم في شبابه إلى جماعة "المنصورين" المسلحة التي حاربت نظام الشاه، والتي تحولت لاحقاً إلى مدرسة خرج منها عدد كبير من قيادات المؤسسة الأمنية الإيرانية.

كما انتمى إلى الجماعة نفسها كل من محمد باقر ذو القدر، الذي سبقه مباشرة في المنصب، وعلي شمخاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، الذي اغتيل في 28 فبراير الماضي.

وبعد سقوط نظام الشاه في عام 1979 التحق رضائي بالحرس الثوري خلال حرب العراق، وأصبح قائداً عاماً للحرس الثوري الإيراني في عام 1981، وظل في المنصب لمدة 16 عاماً.

وخلال قيادته للحرس الثوري، اتهمته السلطات الأرجنتينية بالتورط في تفجير المركز الثقافي اليهودي في بوينس آيرس في عام 1994، الذي أسفر عن مصرع 85 شخصاً.

وأُقيل من قيادة الحرس الثوري في عام 1997 بقرار من الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي. كما دخل في خلاف مع خلفه محمود أحمدي نجاد، بسبب اعتراضه على سياساته الاقتصادية الشعبوية ونهجه التصعيدي تجاه الغرب، وفق برقيات دبلوماسية أميركية.

وخلال عهد أحمدي نجاد، برز رضائي عضواً بارزاً في تيار المحافظين البراجماتيين، وهم مجموعة من قادة الحرس الثوري السابقين الذين سعوا إلى الحفاظ على النظام، مع تأييد انفتاح حذر على الغرب، بحسب تقرير لوزارة الحرب الأميركية صدر عام 2009.

وأكسبته عقود من التنقل بين مراكز النفوذ في السياسة الإيرانية قدرة على التكيف مع المتغيرات. ففي عام 2012، وخلال كلمة عبر الاتصال المرئي أمام طلاب إيرانيين مؤيدين للحكومة في لندن، سُئل عن رد إيران إذا تعرضت لهجوم إسرائيلي. فأجاب بنبرة حادة: "سيكون هناك ما لا يقل عن 10 آلاف قتيل في إسرائيل".

لكن عندما سأله مراسل "وول ستريت جورنال" لاحقاً عن مقترح يقضي بإسناد تشغيل البرنامج النووي الإيراني إلى جهة أجنبية لتقليل المخاوف الدولية، وهو طرح يرفضه المتشددون في إيران بشدة، أبدى قدراً من المرونة.

وقال: "نحن مهتمون بإقامة علاقات ثنائية مع شركات أجنبية... وليس من الضروري أن تتم عمليات تخصيب اليورانيوم داخل إيران".

ورغم أن رضائي كان يُنظر إليه قبل الحرب على أنه من الشخصيات البراجماتية، فإنه تبنى منذ عمله مع مجتبى خامنئي خطاباً أكثر تحدياً، واصفاً ترمب بأنه "مختل". وطالب واشنطن بالاستسلام وفق الشروط الإيرانية.

إعادة ترتيب المقاعد لـ"ضبط التوازن"

ويرى سعيد كلكار، المتخصص في أجهزة الأمن الإيرانية بجامعة تينيسي في تشاتانوجا، أن تعيين رضائي قد يعكس "محاولة من النظام لتحقيق توازن داخلي، أو احتواء، أو تهميش الأصوات التي تؤيد الإبقاء على وقف إطلاق النار أو التوجه نحو نوع من التسوية".

أما بهنام بن طالبلو، مدير برنامج إيران في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، فقال للصحيفة، إن اختيار رضائي ليحل محل مسؤول آخر في العقد الثامن من عمره يعكس عجز النظام عن تجديد نخبه القيادية. وأضاف: "إيران لا تفعل أكثر من إعادة ترتيب المقاعد على (السفينة) تيتانيك".

من جانبه، قال علي واعظ، الخبير في الشأن الإيراني لدى مجموعة الأزمات الدولية، لصحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، إن ترقية رضائي تشير إلى أن خامنئي يسعى إلى إيجاد توازن في مواجهة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي قاد جولات التفاوض السابقة مع الولايات المتحدة وأصبح من أكثر الشخصيات المدنية نفوذاً خلال الحرب. 

وأضاف: "رضائي ينتمي إلى الحرس القديم، وكان موجهاً لمجتبى خامنئي. وأعتقد أن الأخير يثق به أكثر من ذو القدر، الذي يُعد أقرب إلى قاليباف".

وتابع: "إذا كان مجتبى قد تعلم شيئاً من والده، فهو أنه مهما بلغت الثقة بالمقربين، فلا ينبغي السماح لأي شخص بتجميع قدر كبير من النفوذ يمكن أن يطغى على سلطة المرشد".

وتوقع محللون عدم حدوث تحول كبير في سياسة إيران تجاه الولايات المتحدة أو في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب، في ظل انعدام الثقة العميق لدى طهران بترمب، وقناعة النظام بأنه يمتلك اليد العليا.

ويؤكد هؤلاء أن القيادة الإيرانية لا ترغب في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمثل أهم أوراق الضغط لديها، من دون الحصول على ضمانات بأن الولايات المتحدة ستفي بالتزاماتها بموجب أي اتفاق محتمل.

لكن الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، الذي يرأس أيضاً المجلس الأعلى للأمن القومي، دعا السبت إلى التوصل لاتفاق، معتبراً أن "هذا هو الوقت الأمثل للتوصل إلى اتفاق، نظراً لتماسك البلاد وقوتها ووحدتها".

غير أن الرئيس الإصلاحي، ومعه المسؤولون في حكومته الذين يخشون التداعيات الاقتصادية الباهظة للحرب ويدفعون نحو تسوية، يُنظر إليهم على أنهم أقل نفوذاً من القادة العسكريين والتيار المتشدد.

مخاوف إيرانية بشأن هرمز

ويرى محللون، أن إيران تخشى طهران أنه إذا أعادت فتح المضيق، فقد تتراجع الولايات المتحدة عن تنفيذ التزاماتها، وربما يشن ترمب جولة جديدة من الهجمات بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.

وقال المحلل الإيراني سيد ليلاز لـ"فاينانشيال تايمز"، إن إيران "أدركت أنها إذا قدمت تنازلات الآن، فقد تفقد السيطرة على المضيق، وعندها لن يبقى لديها ما تستخدمه كورقة ضغط في مواجهة واشنطن". وأضاف: "لهذا السبب تحاول انتزاع تنازلات من الولايات المتحدة".

تصنيفات

قصص قد تهمك