
تدخل حرب إيران مرحلة جديدة من المواجهة، مع استعداد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض حزمة من الإجراءات الاقتصادية التي وصفتها واشنطن بأنها "غير مسبوقة" في تاريخ "العزل الاقتصادي" للدول، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري الأميركي الذي أدى إلى تعطيل صادرات النفط الإيرانية، في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات بعدما وصلت المسارات العسكرية والدبلوماسية إلى طريق مسدود، بينما تقترب صلاحية "مذكرة التفاهم" بين واشنطن وطهران من الانتهاء.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في مقابلة مع شبكة "نيوز ماكس"، نقلتها "بلومبرغ"، الخميس، إن واشنطن ستعلن خلال الأسبوع المقبل إجراءات جديدة ضد إيران، مشيراً إلى أن الخطة ستشكل جزءاً من "ضربة مزدوجة" تشمل استمرار الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
ويأتي هذا فيما أكد وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث، قدرة الجيش الأميركي على إبقاء الحصار البحري على إيران "إلى أجل غير مسمى"، مشيراً إلى إمكانية تناوب السفن في المنطقة وفق الحاجة.
وتأتي هذه الخطوات، بينما يواجه الاقتصاد الإيراني واحدة من أصعب مراحله، بعدما توقفت صادرات النفط منذ الأول من أغسطس الجاري، إثر إغلاق الولايات المتحدة موانئ التصدير الرئيسية، ما حرم طهران من مصدرها الأهم للعملة الصعبة، في وقت كانت فيه البلاد تعاني أصلًا من التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية.
وكانت إيران استغلت مهلة أميركية مدتها 60 يوماً بدأت في 15 يونيو وتنتهي الجمعة، لتصدير أكبر قدر ممكن من النفط، ما سمح باستمرار تدفق بعض العائدات خلال الأسابيع التالية. لكن مع تشديد الحصار الأميركي، باتت قدرة طهران على الحفاظ على هذا المصدر من الإيرادات أكثر صعوبة، خصوصاً بعدما استهدفت واشنطن أيضاً منصات لتداول العملات المشفرة كانت تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات.
حالة "لا حرب لا سلام"
ويزداد تعقيد المشهد في نهاية مهلة وقف إطلاق النار الواردة في "مذكرة التفاهم" بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرار الخلاف بشأن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط والغاز العالمية. وفي ظل غياب اتفاق بين واشنطن وطهران بشأن إعادة فتح الممر المائي، طرحت إيران وسلطنة عُمان مساراً بحرياً محتملاً لعبور السفن، لكن طهران تؤكد أن أي اتفاق مع مسقط لن يعني بالضرورة إعادة فتح المضيق بصورة كاملة.
وتمضي إيران في تعزيز سيطرتها على المضيق، مع تصاعد الأصوات في طهران، التي ترى أن "النفوذ الاستراتيجي الذي توفره السيطرة على الممر المائي بات أكثر قيمة بالنسبة لإيران من امتلاك سلاح نووي"، حسبما نقل موقع "إيران إنترناشيونال".
وتبرز مساعي طهران لتحويل هذه السيطرة إلى نفوذ اقتصادي وسياسي طويل الأمد، من خلال التحكم في طرق الملاحة، وعمليات إزالة الألغام، وربما تحصيل رسوم من السفن العابرة، باعتبارها عقبة رئيسية أمام تمديد "مذكرة التفاهم" الهشة مع الولايات المتحدة.
ومن المقرر رسمياً أن تنتهي مذكرة التفاهم الموقعة في 18 يونيو في 16 أغسطس. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن انتهاءها بعد أن هاجمت إيران ثلاث سفن في مضيق هرمز، وأمر بشن مزيد من الضربات واستئناف الحصار البحري الأميركي.
ومع ذلك، لم يعلن أي من الطرفين رسمياً التخلي عن المسار الدبلوماسي. وإذا لم يتم الإعلان عن تمديد المذكرة قبل الأحد، فقد تستمر حالة "لا حرب ولا سلام" القائمة حالياً. أما الإعلان الصريح عن انتهاء الترتيب، فقد يزيد خطر تجدد الهجمات.
وتتزامن هذه التطورات مع بقاء أسعار النفط مرتفعة نسبياً، إذ جرى تداول خام برنت قرب 87 دولاراً للبرميل، بعد تراجعه 2.2% في جلسة سابقة.
وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، قال خلال مقابلة مع شبكة FOX News، إن الهدف الأول للولايات المتحدة يتمثل في ضمان استمرار دول الخليج في ضخ النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، بما يحافظ على استقرار أسعار الطاقة، وهو ما وصفه بأنه أمر مهم للشعب الأميركي.
وتابع: "أما الهدف الثاني، بطبيعة الحال، فهو ضمان ألا تحصل إيران على سلاح نووي أبداً".
ومضى قائلاً: "أشعر بالثقة في أننا نحقق كلا الهدفين. لكن الأمر بطبيعته ينطوي على قدر من عدم القدرة على التنبؤ، لأن الإيرانيين أنفسهم غير متوقعين، وهم أحياناً لا يلتزمون بالتعهدات التي قطعوها لنا".
تضارب بشأن هرمز
يتزامن هذا الخلاف مع تقديم طهران وواشنطن روايتين متناقضتين تماماً، بشأن الجهة التي تسيطر فعلياً على مضيق هرمز.
وقال ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة تسيطر بشكل كامل على الممر المائي، وإن الحصار البحري حرم إيران من القدرة على التحرك.
في المقابل، ترفض طهران الرواية الأميركية بشأن السيطرة على المضيق، إذ حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واشنطن من "سوء التقدير"، معتبراً أن ما هو أخطر من الأخبار الكاذبة هو "المعلومات الاستخباراتية الكاذبة". وقال إن الولايات المتحدة سبق أن ارتكبت أخطاءً في تقديرها بسبب إخفاقات استخباراتية، محذراً من "سوء تقدير أكبر" بشأن مضيق هرمز.
بدوره قال حسين طائب، المقرب من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، إن الولايات المتحدة "فشلت" في حربها الجديدة بمضيق هرمز، رغم اعتقاد واشنطن بأن إيران لم تعد تمتلك قدرات بحرية وجوية فعالة.
كما رفض المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي، وهو مركز القيادة الإيراني خلال الحرب، الرواية الأميركية بشأن هرمز، زاعماً أن المضيق لا يزال تحت السيطرة الإيرانية، وأنه لا يمكن لأي سفينة العبور بأمان دون الحصول على إذن من القوات المسلحة الإيرانية.
وتظهر بيانات مراقبة حركة الملاحة أن حركة السفن عبر المضيق، لا تزال عند جزء ضئيل من مستويات ما قبل الحرب. إذ تعبر نحو 10 إلى 12 سفينة المضيق يومياً خلال الأيام الأخيرة، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة قبل الحرب، بينما تستخدم معظم السفن حالياً مساراً حددته إيران.
وبحسب بيانات "كبلر"، فقد عبرت الممر، الخميس، 9 سفن إجمالاً، بزيادة عن 5 سفن في اليوم السابق. وشمل ذلك دخول خمس سفن إلى الخليج وخروج أربع إلى خليج عمان، معظمها عبر مسار الشحن الإيراني.
واستمرت المخاطر التي تهدد حركة الشحن. وأعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك"، تعرض ناقلتين تابعتين لها لهجوم أثناء عبورهما مضيق هرمز مساء الخميس، دون الإبلاغ عن وقوع إصابات. واتهمت الإمارات إيران بالمسؤولية عن الهجوم.









