إيران بعد الحرب.. أكثر تشدداً أم اعتدالاً؟ | الشرق للأخبار

إيران بعد الحرب.. أكثر تشدداً أم اعتدالاً؟

time reading iconدقائق القراءة - 9
قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي خلال مراسم جنازة المرشد السابق علي خامنئي في طهران. 5 يوليو 2026 - Reuters
قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي خلال مراسم جنازة المرشد السابق علي خامنئي في طهران. 5 يوليو 2026 - Reuters

أثار اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول للحرب، آمالاً أميركية وإسرائيلية بأن النظام الذي كان يقوده، والذي أحكم قبضته على البلاد منذ عام 1979، قد وصل إلى حافة الانهيار. لكن بعد أربعة أشهر من القتال، وبينما تُقيم إيران جنازة رسمية متأخرة لمرشدها السابق، تُشير مراسم الدفن، بحسب مسؤولين أمنيين وخبراء، إلى صعود جيل جديد من القادة أكثر دهاءً وتشدداً، حسبما أوردت صحيفة "واشنطن بوست".

وترى الصحيفة أنه بقيادة مجتبى خامنئي، الذي ظل مختبئاً منذ إصابته في نفس الغارة التي أودت بحياة والده، تتميز القيادة الجديدة بـ"صغر سنها"، وسيطرتها "الأفضل" على مقاليد السلطة، واكتسابها خبرات من حروب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، و"إلمامها بأدوات القوة الناعمة، بما في ذلك الدبلوماسية والدعاية الإلكترونية".

واعتبرت "واشنطن بوست"، أنه بعد "صمود النظام" لأشهر أمام غارات شنّها جيشان من أقوى جيوش العالم، "خرج النظام أكثر جرأة"، حسبما نقلت عن مسؤولين وخبراء، إذ لا يزال يمارس سلطته. وتشير التقارير إلى أنه نفّذ حملة إعدامات ضد منتقديه ومعارضيه السياسيين في الداخل، فيما يواصل شنّ غارات متقطعة في الخليج العربي، ويستعرض سيطرته على مضيق هرمز.

قادة بخلفية عسكرية وأمنية

وقال راز زيمت، رئيس قسم الأبحاث الإيرانية في معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل: "قد تكون إيران أضعف فيما يتعلق بوضعها الاقتصادي، وصناعاتها، وبعض قدراتها الاستراتيجية، لكن الخلاصة هي أننا نواجه إيران جديدة، أكثر جرأة وثقة بالنفس".

وقضى معظم من يشغلون مناصب رفيعة حالياً سنوات تكوينهم كضباط برتبة ملازم في الأجهزة الأمنية أو الوحدات العسكرية المسؤولة عن قمع الاحتجاجات الداخلية، وتسليح الميليشيات الوكيلة في المنطقة، بما فيها "حزب الله"، والترقي في صفوف المنظمات النخبوية، ومنها الحرس الثوري الإيراني.

وتضم قائمة القادة الإيرانيين الجدد محمد باقر ذو القدر، الذي تولى منصباً مؤثراً كأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. وهو قائد سابق في الحرس الثوري، وله صلات وثيقة بـ"فيلق القدس"، فرع الحرس الثوري المسؤول عن تدريب الميليشيات المتحالفة معه.

ووفقاً لمسؤولين وخبراء، أيّد أحمد وحيدي، القائد العام الجديد للحرس الثوري، حملة القمع العنيفة ضد الاحتجاجات التي اندلعت بعد قتل مهسا أميني في عام 2022.

وأفاد خبراء، بحسب الصحيفة، أن محسن رضائي، المستشار العسكري الجديد للمرشد الإيراني، من أشدّ المؤيدين للتصعيد مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وحتى أولئك الذين اعتبرتهم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب معتدلين، تشكلت شخصياتهم بفعل سنوات قضوها في الأجهزة الأمنية أو مناطق الحرب.

فمحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وأحد أبرز ممثلي إيران في محادثات السلام مع الولايات المتحدة، شغل منصب قائد في الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب الإيرانية العراقية.

تهميش "المدنيين"

وفي المقابل، تم تهميش القادة الإيرانيين من ذوي الخلفيات المدنية إلى حد كبير في خضم التغييرات التي فرضتها الحرب، وفقاً لما ذكره مسؤولون وخبراء. ومن بينهم الرئيس مسعود بيزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، الذي سبق له أن قاد المحادثات مع الولايات المتحدة، لكن نفوذه ومكانته تراجعا.

ويتناقض هذا التوطيد السريع للسلطة من قبل الموالين مع مزاعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحرب حققت "تغييراً في النظام".

وقال ترمب خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا، الشهر الماضي: "لديهم مجموعة جديدة من القادة. في الواقع، أعتقد أنهم أذكياء... إنهم أقل تطرفاً بكثير، وأعتقد أنهم جيدون جداً".

في المقابل، قال مسؤولون وخبراء إن نهج ترمب، بما فيه التهديدات بإبادة الحضارة الإيرانية، التي يزيد عدد سكانها عن 90 مليون نسمة، قد عزز مزاعم المتشددين بأن إيران تخوض صراعاً وجودياً مع الولايات المتحدة وحلفائها.

وقد أضعف هذا موقف المعتدلين الذين كانوا محور المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني قبل عقد من الزمن.

ويحذر الخبراء والمسؤولون من أن خامنئي ودائرته المقربة سيواجهون على الأرجح اختباراً أصعب عندما تنتهي الحرب فعلياً، حين يواجهون تحدي إعادة بناء الاقتصاد الإيراني المنهك وتحسين أوضاع شعبه.

تحديات أمام النظام الجديد

وقد تمثّل "مذكرة التفاهم" الأميركية الإيرانية لإنهاء الحرب، والتي تتضمن الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المُجمّدة، وتقديم مزايا مالية أخرى، شريان حياة للقيادة الإيرانية الجديدة.

ويواجه النظام أيضاً تحديات أكثر إلحاحاً، كإثبات تعافي مجتبى خامنئي من الإصابات التي لحقت به في الغارة التي أودت بحياة والده، وقدرته على تولي كافة مهامه، بما في ذلك الظهور العلني الذي يرافق منصب المرشد.

وتُمثّل الجنازة اختباراً حاسماً لثقة النظام في قدرته على حمايته، وستخضع لتدقيق مُحللين في وكالة الاستخبارات المركزيةCIA ووكالات استخبارات أخرى، تماماً كما فعلوا في فحص لقطات العروض العسكرية السوفيتية واجتماعات المكتب السياسي خلال الحرب الباردة، بحثاً عن أدلة تُشير إلى حالة المرشد وهويات الآخرين الذين اكتسبوا نفوذاً.

وحتى في زمن السلم، التزم مجتبى خامنئي الصمت. ولم يُصوّر علناً إلا مرات معدودة، وقلّما سمعه الإيرانيون يتحدث.

أما الحرب فقد دفعته إلى التواري عن الأنظار بشكل أكبر. وقال مسؤولون وخبراء، إنه يُرجّح نقله بين المخابئ وغيرها من المواقع الآمنة لحمايته من الغارات الجوية أو الاغتيال. ومع ذلك، تُعدّ الجنازة أول تجمع جماهيري منذ الحرب، ما يُشكّل ضغطاً على النظام لظهور خامنئي.

غياب مجتبى خامنئي

وقال نورمان رول، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والخبير في الشؤون الإيرانية: "إنه رئيس الدولة، وزعيم ديني، وهذه جنازة والده. إن عدم حضوره جنازة والده، وعدم مشاركته في الحداد العلني، وعدم إظهاره أي قيادة، سيُفسّره الكثيرون داخل إيران وخارجها على أنه دليل على ضعفه الشخصي، أو عجزه البدني، أو حتى وفاته".

وقال دبلوماسي إيراني، طلب عدم كشف هويته لمناقشة مسائل دبلوماسية حساسة، إنه من غير المرجح أن يظهر خامنئي، ويعود ذلك جزئياً إلى الخوف من محاولة الولايات المتحدة أو إسرائيل اغتياله.

وأضاف الدبلوماسي: "الشعب الإيراني بحاجة، قبل كل شيء، إلى سلامته ليتمكن من قيادة البلاد. لقد أظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما غير ملتزمتين بأي تعهدات".

وحتى في عزلته، يُعتقد أن خامنئي يُدير القرارات رفيعة المستوى، وفقاً لمسؤولين أميركيين وشرق أوسطيين، إلا أن الإجراءات الأمنية المشددة جعلت قراراته وتصريحاته تُنقل في الغالب عبر وسطاء، مما يُسبب تعقيدات في هذا الشأن.

وقال زيمت: "من الواضح تماماً الآن أن مجتبى خامنئي هو من يتخذ القرارات الاستراتيجية"، بينما شكّل من هم أدنى منه رتبة "جماعة قيادية" لها نفوذ على القضايا الرئيسية، لكنها تخضع لسلطة المرشد.

ويُعتقد أن خامنئي قد وضع حدوداً للمفاوضات مع الولايات المتحدة، وفق خبراء، مستبعداً أي نقاش جوهري حول البرنامج النووي الإيراني قبل دخول وقف إطلاق النار الدائم حيز التنفيذ.

وكما فعل والده، فقد نأى بنفسه عن القرارات التي قد تأتي بنتائج عكسية. فعلى سبيل المثال، أعرب علناً عن تحفظاته بشأن "مذكرة التفاهم" التي وقّعتها حكومته مع الولايات المتحدة، لكنه سمح بالمضي قدماً فيها مستنداً إلى ضمانات من مرؤوسيه.

كما انتقد الرئيس الأميركي، قائلاً إن إيران وافقت على توقيع المذكرة "بدافع التعاطف وحسن النية"، بينما فعل ترمب ذلك "بدافع اليأس".

جيل "ما بعد الثورة"

ويحلّ الفريق القيادي الجديد محلّ جيلٍ تشكّل عبر سنواتٍ من العمل في الخفاء في مواجهة حكم الشاه، وما تلاه من ثورة 1979 وتداعياتها.

ويقول الخبراء، حسبما نقلت الصحيفة، إنّ من يتولون زمام الأمور الآن ينتمون إلى جيل "ما بعد الثورة"، "أقلّ تطرفاً في آرائهم الدينية، لكنّهم لا يقلّون قسوةً في استعدادهم لاستخدام القوة الغاشمة للحفاظ على سيطرتهم".

وأضافت الصحيفة، أن فهمهم للولايات المتحدة "لا يرتبط كثيراً بأزمة الرهائن عام 1979، بل بمتابعتهم المباشرة لحروب العراق وأفغانستان، وهي صراعات استمرت لسنوات وانتهت بتحقيق الولايات المتحدة القليل من أهدافها الأساسية".

وقد يُفسّر فهم المجموعة الجديدة الأكثر دقةً لنقاط الضغط الأميركية، استراتيجية إيران في شنّ ضربات انتقامية ضدّ حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي، فضلاً عن وقفها لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الأمر الذي منحها نفوذاً اقتصادياً كبيراً، بحسب "واشنطن بوست".

وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار المبدئي في أبريل، أظهرت إيران أنّها "لا تزال مستعدة لاستئناف استخدامها القوة العسكرية"، وهو "موقف عدواني ساعد النظام الإيراني على انتزاع تنازلات اقتصادية جوهرية من الولايات المتحدة، ومكّنه من صياغة رواية داخلية مفادها انتصاره في الحرب".

وقال مسؤول أوروبي على اتصال دائم بمسؤولين إيرانيين، شريطة عدم كشف هويته نظراً لحساسية الموضوع: "إنهم يفيضون ثقةً بالنفس. لم ينجوا فحسب، بل أعادوا اكتشاف مضيق هرمز كأداة ضغط قوية، وهم يعتقدون حقاً أن بإمكانهم فرض شروطهم".

تصنيفات

قصص قد تهمك