
تتزايد الخلافات داخل دوائر القيادة في إيران بشأن الهدف النهائي من التصعيد ضد الولايات المتحدة، بين تيار يدعو إلى مواصلة القتال حتى تحقيق ما يصفونه بـ"النصر الكامل"، وتيار آخر يرى أن التصعيد العسكري يجب أن يكون وسيلة لانتزاع اتفاق تفاوضي مع واشنطن، وفق "أسوشيتد برس".
وأشارت الوكالة إلى أنه في الوقت الذي تحرص فيه القيادة الإيرانية على إظهار "جبهة موحدة"، في مواجهة الولايات المتحدة، وعزماً على مواصلة التصعيد العسكري، إلا أن الخلافات بدأت تبرز خلف هذ التماسك.
ويقود المعسكر الأول المتشددون الرافضون لأي مفاوضات مع الولايات المتحدة، ممن يدفعون باتجاه تحقيق "انتصار كامل". ويُعرف هذا التيار باسم حركة "بايداري" (الثبات)، ويضم شخصيات أيديولوجية متشددة تسعى إلى تعزيز قبضة النظام على المجتمع، وفق "أسوشيتد برس".
في المقابل، يرى مؤيدو الرئيس مسعود بيزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي يتولى أيضاً منصب كبير المفاوضين الإيرانيين، أن الضغط العسكري ينبغي أن يُستخدم للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة عن طريق التفاوض.
ويستند هذا التوجه أيضاً إلى المخاوف من التداعيات الاقتصادية للحرب، وإلى الحاجة للتكيف مع التحولات الاجتماعية داخل إيران.
وأشارت الوكالة إلى ما كتبه مهدي محمدي، مستشار قاليباف، على قناته في "تليجرام"، الخميس، من أن "التفاوض أداة سياسية ومكمل للعمل العسكري، ويهدف إلى دفع العدو إلى نقطة الإذعان وانتزاع تنازلات حقيقية".
موقف مجتبى خامنئي
ورأت "أسوشيتد برس" أن هذا التنافس غير المعتاد داخل هرم النظام الديني في إيران يعكس صراعاً على رسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب. ويبقى السؤال الأبرز متعلقاً بموقف المرشد الجديد، مجتبى خامنئي.
وأُصيب خامنئي في الضربة التي أودت بحياة والده، المرشد علي خامنئي، خلال الدقائق الأولى من اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، ولا يزال متوارياً عن الأنظار، فيما يؤكد كل من المعسكرين أنه "يحظى بدعمه".
وحقق معسكر قاليباف وبيزشكيان دفعة سياسية بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة في أبريل، بعدما حظي بتأييد واسع داخل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إذ أيده 12 عضواً من أصل 13، بمن فيهم شخصيات بارزة في الحرس الثوري والجيش.
ويُعتقد على نطاق واسع أن الصوت الوحيد المعارض للاتفاق كان للدبلوماسي سعيد جليلي، وهو أبرز رموز حركة "بايداري".
لكن وقف إطلاق النار انهار مع تبادل الجانبين الضربات، وإصرار إيران على فرض سيطرتها على الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية.
كما شعرت طهران بالإحباط بعدما لم تتحقق الوعود المالية التي تضمنها الاتفاق، بما في ذلك الإفراج عن مليارات الدولارات من أصولها المجمدة، في حين أعادت الولايات المتحدة فرض حصارها على إيران.
وقال علي واعظ، مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدولية"، للوكالة إنه في ظل غياب أي مكاسب من الاتفاق "لا توجد انقسامات حقيقية داخل القيادة بشأن كيفية الرد".
وأضاف أن المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب "لا يفهم سوى لغة القوة، ولذلك ينبغي تحقيق تفوق ميداني لإجباره على تنفيذ التزاماته".
المتشددون يصعدون ضغوطهم
وأظهرت جنازة المرشد علي خامنئي، حجم نفوذ حركة "بايداري". إذ هتف المشاركون مطالبين بـ"الانتقام" من الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما أظهرت مقاطع مصورة ترحيب المشيعين في طهران بسعيد جليلي، في حين تعرض الرئيس بيزشكيان لهتافات مسيئة بينها: "الموت للمساوم".
واستخدم المتشددون التجمعات الليلية وسيطرتهم على هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (IRIB) لحشد الرأي العام ضد أي مفاوضات.
وفي هذه التجمعات وعبر شاشات التلفزيون الرسمي، صوّر المتحدثون إيران على أنها تتجه نحو "نصر كامل"، وهاجموا كل من يدعو إلى تقديم تنازلات للولايات المتحدة.
وقطعت هيئة الإذاعة والتلفزيون، في 30 يونيو، بثاً مباشراً لقاليباف أثناء حديثه عن المفاوضات مع واشنطن. وقبل ذلك بأيام، أوقفت بث كلمة للرئيس بيزشكيان بعد ثوانٍ من قوله إن علي خامنئي كان قد وافق قبل وفاته على استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة.
ورد بيزشكيان ومعسكره باتهام التلفزيون الرسمي بإثارة الانقسام داخل البلاد في زمن الحرب. وقال الرئيس إن الهيئة الإعلامية الرسمية توحي بأن "القوات المسلحة في جانب، والحكومة في جانب آخر".
كما ندد المكتب الإعلامي للرئيس، الشهر الماضي، بما وصفه بـ"الرقابة" التي تمارسها وسائل الإعلام الرسمية بحق الرئيس ومسؤولين حكوميين آخرين، في مؤشر على اتساع الخلافات داخل النظام.
وسعى المتشددون أيضاً إلى تعزيز نفوذهم بوسائل أخرى. ففي الأسابيع الأخيرة، أغلقت السلطات عدداً من المقاهي في وسط طهران التي أصبحت مقصداً للسكان خلال فترة وقف إطلاق النار.
وأظهرت مقاطع متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي نساء كثيرات داخل تلك المقاهي يتحدين قوانين الحجاب الإلزامي، بينما اختلطت الحشود بحرية.
ورغم أن الإغلاقات كانت مؤقتة، فإنها عكست، تنامي نفوذ "التيارات الدينية المتشددة"، بحسب رجل الدين الإصلاحي محمد علي أبطحي، مساعد الرئيس الأسبق محمد خاتمي.
وقال ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، إن أنصار جليلي يمثلون أقلية، لكنهم يتمتعون بنفوذ واسع.
وأضاف: "لديهم أموال طائلة، ونفوذ كبير، ووضعوا كثيراً من أنصارهم داخل البيروقراطية، كما بنوا علاقات قوية داخل الحرس الثوري".
البراجماتيون يدعون إلى الإصغاء للرأي العام
في المقابل، يرى التيار البراجماتي أن الحفاظ على وحدة البلاد خلال الحرب يتطلب معالجة استياء المواطنين من الأوضاع الاقتصادية، فضلاً عن القيود السياسية والاجتماعية، في وقت تواصل فيه العملة الإيرانية تراجعها، بينما ترتفع معدلات التضخم والبطالة.
ويعتقد هذا التيار أن التوصل إلى اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة قد يمنح إيران مكاسب اقتصادية كبيرة عبر رفع العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من أصولها.
وقالت "أسوشيتد برس"، إن مؤشرات محدودة على تنامي السخط من استمرار الحرب، بدأت في الظهور. وأشارت إلى توقيع أكثر من 250 نائباً سابقاً ورجل دين وأستاذاً جامعياً وشخصية عامة في يوليو، على عريضة مناهضة للحرب، وحذرت من كلفتها.
وقال البيان: "نعتقد أن الغالبية الساحقة من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في حياة كريمة". كما انتقد آخرون تصاعد أحكام الإعدام بحق المحتجين بعد موجة الاحتجاجات الواسعة المناهضة للحكومة في يناير.
وحذر أحد أبرز الأحزاب الإصلاحية، الذي دعم حملة بيزشكيان الرئاسية، من أن التداعيات الداخلية للحرب "تقوض التماسك الاجتماعي الداخلي".
وأثار هذا الموقف انتقادات من وكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري، التي اعتبرت أن البيان يحمل إيران مسؤولية حرب بدأتها الولايات المتحدة.
وفي منتصف يوليو، نشر يوسف بزشكيان، نجل الرئيس ومستشاره المقرب، سلسلة رسائل شدد فيها على ضرورة تحقيق توازن بين الأهداف العسكرية الواقعية والأوضاع الاقتصادية الهشة.
وقال في إشارة إلى عقود من العقوبات والمواجهة مع الغرب، إن إيران "مُنعت من النمو، وعانت كثيراً، وأصبحت مريضة".
صراع على مرحلة ما بعد الحرب
وقالت "أسوشيتد برس"، إن المعسكرين لا يتنافسان فقط على إدارة الحرب، بل أيضاً على النفوذ في مرحلة ما بعدها، في ظل الغموض غير المسبوق الذي رافق انتقال منصب المرشد.
واعتبر أبطحي أن المواقف الحقيقية لمجتبى خامنئي لا تزال غير معروفة، إذ يرى البعض أنه قد يكون أكثر تشدداً من والده، بينما يعتقد آخرون أنه قد يقود مساراً أكثر اعتدالاً.
وأضاف أن المرشد الإيراني، بحكم الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها، يستطيع أن يؤدي دور "صمام الأمان" لكبح جماح التيارات الأكثر تطرفاً. لكنه حذر من أن المواجهة مع هذه التيارات قد تصبح أكثر خطورة مع مرور الوقت إذا لم يُستخدم هذا الدور لكبح اندفاعها.











