غياب خامنئي يؤجج انقسام إيران بشأن الحرب والتفاوض مع واشنطن | الشرق للأخبار

"غياب خامنئي" يؤجج انقسام النظام الإيراني بشأن إدارة الحرب والمفاوضات مع واشنطن

time reading iconدقائق القراءة - 14
صورة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران. 7 يونيو 2026 - Reuters
صورة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران. 7 يونيو 2026 - Reuters

أثار الغياب الطويل للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي عن المشهد العام منذ توليه المنصب في مارس الماضي، تساؤلات بشأن قدرته على ترسيخ السلطة وإدارة التوازنات داخل النظام الإيراني، فيما كشفت الحرب مع الولايات المتحدة عن خلافات متزايدة بين التيارات السياسية بشأن استمرار المواجهة، أو التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، وفق "بلومبرغ".

أشارت "بلومبرغ" إلى تزايد التكهنات بشأن مكان خامنئي ووضعه الصحي، بعدما قال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان للتلفزيون الرسمي، الأسبوع الماضي، إنه يواجه "صعوبة بالغة" في التواصل معه. لكن الرئيس كشف، الاثنين الماضي، عن اجتماع مع المرشد الإيراني استمر "سبع أو ثماني ساعات".

وقال بيزشكيان للصحافيين على هامش قمة في طهران ضمت رؤساء تيارات سياسية، وعدداً من السياسيين: "كان اجتماعاً جيداً جداً"، مضيفاً أنهما ناقشا سبل التعامل مع تدهور مستويات المعيشة في إيران. كما كشف أن أكثر ما يشغل خامنئي هو الحفاظ على "الوحدة والتماسك" في البلاد.

وجاءت تصريحات بيزشكيان بعد أسابيع من خلافات علنية حادة في طهران بشأن إدارة الحرب، وسط دعوات من المتشددين تطالبه بالاستقالة بسبب دعمه لاتفاق السلام الإيراني المتعثر مع الولايات المتحدة. كما جاءت بعد أيام من تأكيد الرئيس، الذي يتعرض لضغوط متزايدة، في مقابلة تلفزيونية مطولة، أنه لن يتراجع عن موقفه.

غياب يفتح باب الخلافات

وكان خامنئي قد أُصيب في الغارة الجوية الإسرائيلية نفسها التي وقعت في 28 فبراير الماضي، وأسفرت عن اغتيال والده المرشد السابق، علي خامنئي. وشكلت تلك الضربة بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ولا يزال مدى خطورة إصابات خامنئي غير معروف، فيما قال بيزشكيان، الاثنين، إن المرشد الأعلى يتمتع "بصحة ممتازة". إلا أن غيابه عن الحياة العامة خلّف فراغاً سياسياً أصبحت في ظله الخلافات بين التيارات، وهي سمة راسخة في الحياة السياسية الإيرانية، أصبحت أكثر وضوحاً.

وكان والده، الذي ظل في السلطة لما يقرب من 40 عاماً، يؤدي في كثير من الأحيان دور الحكم في النزاعات الداخلية. وبصفته صاحب القرار النهائي في جميع شؤون الدولة، كانت موافقته حاسمة لتحويل الأفكار إلى سياسات رسمية، بما في ذلك الاتفاق النووي المبرم مع الغرب في عام 2015، الذي واجه معارضة شديدة من المتشددين.

كما تولى إدارة الخلافات بين المحافظين والمتشددين، ومن بينها النزاع بين الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وعلي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الذي اغتيل في غارة جوية على طهران في مارس.

لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان نجله قد نجح حتى الآن في ترسيخ مستوى السلطة والنفوذ نفسه.

وقال أرمان محموديان، الباحث في جامعة جنوب فلوريدا، إن مجتبى خامنئي "لا يظهر علناً، وليس من السهل الوصول إليه، ويُقال إنه يتواصل مع كبار المسؤولين عبر وسطاء. ونتيجة لذلك، أصبح من الأصعب بكثير عليه توفير قيادة واضحة وحاسمة أو تسوية الخلافات داخل المؤسسة السياسية بسرعة".

ويُعد الانقسام بين التيارات السياسية سمة راسخة في المشهد السياسي الإيراني. وبينما يرى البعض أن هذه الخلافات شكلية، كشفت الحرب عن توترات سياسية أكثر حدة وجرأة، تجلت في خلافات علنية بشأن مسار الصراع وكيفية إدارته.

ودعا مسؤولون، من بينهم خامنئي، مراراً إلى الوحدة، ليس فقط بين الإيرانيين، الذين خلّفت في نفوسهم حملة القمع الدموية التي شنتها الدولة ضد احتجاجات يناير، فضلاً عن حجم القصف الأميركي-الإسرائيلي الذي أعقبها بعد شهر، ندوباً وصدمات نفسية عميقة، وإنما أيضاً بين مختلف أركان النظام السياسي نفسه.

وقال سعيد ليلاز، الخبير الاقتصادي والمستشار السابق لبيزشكيان: "لطالما كانت هناك مجموعة تقول إننا بحاجة إلى اتفاق استراتيجي مع الولايات المتحدة، وأخرى تريد حرباً لا تنتهي معها". وأضاف: "لقد تغيرت القيادة ولم تعد تظهر علناً، وهذا أفسح المجال أمام بعض الأشخاص للتقدم والتعبير عن آرائهم".

ساحة معركة على الإنترنت

وباتت منصات التواصل الاجتماعي والتلفزيون الرسمي، ساحة رئيسية لهذا الصراع، إذ تدور معركة إعلامية بين البراجماتيين، مثل بيزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، الذي يسعى نواب متشددون إلى عزله، وبين رجال دين وسياسيين من المحافظين المتشددين الرافضين للانخراط مع الولايات المتحدة.

ويرى البراجماتيون، الذين يرتبطون غالباً في النظام السياسي الإيراني بالتيار المحافظ المعتدل أو الإصلاحي، أن التفاوض مع الغرب أمر لا مفر منه، وأنه السبيل الوحيد للحد من العزلة الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشة وجذب الاستثمارات إلى البلاد. 

في المقابل، يعتبر المتشددون أن هذا المسار ينتقص من المبادئ التي قامت عليها الثورة في عام 1979، ويشيرون إلى أن المحاولات المتكررة للتفاوض، لا سيما مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لم تسفر سوى عن تعرض إيران لهجمات من إسرائيل والولايات المتحدة.

ويسعى بيزشكيان، المسؤول عن القرارات الاقتصادية في البلاد، إلى جانب معتدلين براجماتيين آخرين، إلى إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق يتيح تخفيفاً واسع النطاق للعقوبات. ويرون أن مثل هذا الاتفاق من شأنه أن يوفر مساعدة فورية للإيرانيين، بعدما فاقمت الحرب سلسلة من المشكلات الاقتصادية القائمة بالفعل، من التضخم المتفشي إلى البطالة.

كما يعتقدون أن الاتفاق قد يحد من مخاطر اندلاع انتفاضة أخرى على غرار تلك التي سُحقت في يناير، والتي لا تزال السلطات تلاحق المشاركين فيها قضائياً، وغالباً من خلال تنفيذ أحكام الإعدام.

أما المتشددون، سواء في الأوساط السياسية أو بين كبار رجال الدين، فيبدو أنهم يؤججون جانباً كبيراً من الصراع الداخلي. ويعارض هؤلاء الانخراط الدبلوماسي مع إدارة ترمب، بل ويتساءلون عما إذا كان الاقتصاد الإيراني، الذي أنهكته سنوات من العزلة الدولية، يحتاج أساساً إلى تخفيف العقوبات الأميركية.

تصاعد انتقادات المتشددين

ومن بين هؤلاء رجل الدين المحافظ المتشدد محمد باقر خرازي، الذي أخفق في مسعاه للترشح للانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2013. ففي يوليو، هاجم بيزشكيان ووصفه بأنه "حثالة"، كما شكك في شرعية رئاسته. وكان بيزشكيان قد خلف الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي في انتخابات مبكرة أُجريت الذي لقى حتفه في حادث تحطم مروحية عام 2024.

وفي مقطع فيديو نُشر على "إنستجرام" الشهر الماضي، ولم يتسنَّ التحقق من صحته، قال خرازي، الذي يزعم أنه كان صديقاً لمجتبى خامنئي على مدى 40 عاماً، إن الجمهورية الإسلامية "لم تعد فعالة"، وإن الإيرانيين بحاجة إلى "دولة إسلامية"، بدلاً من نظام يسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

وهدد خرازي بعد ذلك بـ"محاصرة جميع الوزارات" في طهران، مدعياً أن لديه 250 ألف مؤيد يمكنهم مساعدته في تنفيذ ذلك.

كما وجّه سعيد جليلي، المفاوض النووي الإيراني السابق والعضو البارز في التيار المحافظ المتشدد المعروف باسم "بايداري" (Paydari)، انتقادات حادة إلى الدبلوماسيين الإيرانيين والرئيس. وفي خطاب ألقاه خلال جنازة خامنئي في يوليو، دعا قادة البلاد إلى وضع الانتقام لاغتياله على رأس أولوياتهم، ووبخهم لإعطائهم الأولوية للتفاوض مع الولايات المتحدة سعياً إلى رفع العقوبات.

ولا يقتصر خوض غمار الساحة السياسية الإيرانية المفتوحة على رجال الدين المتشددين. فقد نشر الرئيس السابق حسن روحاني، الذي همّشه خامنئي الراحل فعلياً بعد انهيار الاتفاق النووي، الذي كان من أبرز داعميه، تحت وطأة الضغوط الأميركية، تصريحات مصورة أيضاً في محاولة لإحياء حضوره السياسي. وتراوحت مواقفه بين مهاجمة إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين قال إنهما أخطأتا في تقدير قوة الشعب الإيراني، وانتقاد المتشددين بوصفهم "أقلية تعتقد أن تصعيد هذه الحرب سيعجّل بظهور المهدي".

وقال أرمان محموديان، الباحث في جامعة جنوب فلوريدا، إن الانقسامات داخل النظام الديني الحاكم في إيران "كانت سمة بارزة في عملية صنع السياسة الخارجية لإيران منذ ثورة عام 1979". 

وأضاف: "ما يختلف هذه المرة ليس وجود هذه التيارات المتنافسة، بل مدى ظهور خلافاتها إلى العلن، وربما كونها أكثر حدة مقارنة بالأزمات السابقة".

محاولات إظهار النفوذ

وفي مؤشر على أن المرشد الجديد ربما بدأ يمارس قدراً من النفوذ الذي كان يتمتع به والده، بدا أن مقاطع فيديو خرازي حُذفت من صفحته على إنستجرام، بحلول الثلاثاء، فيما قالت السلطة القضائية الإيرانية إنه استُدعي للمثول أمام المحكمة.

قبل يوم من حديث بيزشكيان عن اجتماعه المطول، تلا مذيع في نشرة أخبار التلفزيون الرسمي الإيراني بياناً قيل إنه صادر عن خامنئي، أعلن فيه أن المرشد الإيراني عيّن شخصياً محسن رضائي، القيادي المخضرم في "الحرس الثوري" والمحافظ المتشدد، رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، أهم منصب أمني في البلاد.  وكان "الحرس الثوري"، القوة العسكرية النافذة في إيران، في طليعة الجهات التي وضعت استراتيجية الحرب.

وأعلن خامنئي بعد ذلك سلسلة تعيينات في مناصب عسكرية عليا وأكدها، كان معظمها في الحرس الثوري، الذي رحب بدوره بتعيين رضائي، مسلطاً الضوء على دوره في تنسيق سياسات إيران الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية.

والثلاثاء، تصدرت الصفحة الأولى لصحيفة "همشهري" الحكومية، الأكبر في إيران من حيث التوزيع، صورة مركبة يظهر خامنئي في وسطها واقفاً، محاطاً بأحدث من عيّنهم في المناصب العسكرية والأمنية.

التفاف حول "الحرس الثوري"

وتعكس إعادة التشكيل اعتماداً أكبر على العناصر المتشددة التي قادت استراتيجية إيران في ساحة المعركة منذ اندلاع الحرب، كما تشير إلى التفاف أكثر قوة حول "الحرس الثوري"، ونهجه الاستراتيجي في مواجهة حرب ترمب.

ويبدو أن هذه الاستراتيجية نجحت حتى الآن، إذ مكّنت طهران ليس فقط من الصمود والحفاظ على سيطرة النظام على زمام الأمور، بل أيضاً من ترسيخ ردع فعال مستند إلى أوراق الضغط التي تمتلكها في مضيق هرمز.

وقالت دينا إسفندياري، المسؤولة عن ملف الاقتصاد الجغرافي للشرق الأوسط في "بلومبرغ إيكونوميكس" Bloomberg Economics، إن "العناصر الأكثر تشدداً باتت أكثر ثقة بنفسها. فهي ترى أنها في موقع متقدم، وقد أدركت أن لغة التنمر تجدي نفعاً مع ترمب. ومن ثم، يأتي كل ذلك في إطار الالتفاف حول هذه الفكرة وتعزيز التماسك بصورة أكبر".

وأضافت: "يبدو أيضاً أن هناك توافقاً داخل النظام بشأن كيفية المضي قدماً، فحتى تصريحات عراقجي تعكس موقفاً أكثر تشدداً حيال المضيق". وخلال الأسابيع الأخيرة، تصدى وزير الخارجية بحزم لمنتقديه المتشددين في الداخل وللتهديدات الأميركية على حد سواء، ودافع عن موقف عسكري صارم بشأن مضيق هرمز.

جمود بين طهران وواشنطن

وفي الوقت الراهن، شدد طرفا الحرب مواقفهما. وقال ترمب في وقت سابق هذا الأسبوع إنه، رغم أنه "يخفف من حدة الأمور" فيما يتعلق بالضربات العسكرية على إيران، فإنه يريد منح حصاره البحري لمضيق هرمز مزيداً من الوقت لإلحاق أضرار اقتصادية أكبر، بالتزامن مع فرض مطالب جديدة على طهران بدفع تعويضات، وهو ما سترفضه طهران بشدة. ويضع ذلك الطرفين، في الوقت الراهن، أمام حالة من الجمود، من دون مسار واضح نحو السلام.

وقال ليلاز، إن تصاعد حدة الانقسامات بين التيارات في أعقاب الحرب كان "في معظمه ضجيجاً". وأضاف أن صناع القرار في المؤسسات الرئيسية والشخصيات المسؤولة عن إدارة الحكومة، بما في ذلك "الحرس الثوري" وعراقجي وبيزشكيان و(رئيس البرلمان الإيراني) محمد باقر قاليباف، تصرفوا حتى الآن في إطار توافق واسع، و"يمضون بالأمور قدماً".

ويتفق علي واعظ، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في "مجموعة الأزمات الدولية" International Crisis Group، مع هذا الرأي، قائلاً: "من الواضح أن هناك تماسكاً أكبر حول الاستراتيجية، لكن ينبغي ألا يُفهم ذلك على أنه ثقة بأنها ستنجح في نهاية المطاف".

وأضاف واعظ: "في الوقت الراهن، تعتقد طهران أن تمسكها بموقفها وفرضها تكاليف على الطرف الآخر أجبرا واشنطن على تعديل أهدافها. لكن الخطر يكمن في أن يتحول الشعور بأن التطورات أثبتت صحة موقفها على المدى القصير إلى ثقة مفرطة على المدى الطويل".

تصنيفات

قصص قد تهمك